تصعيد خطير في سامسونغ قد يهزّ صناعة التكنولوجيا عالميًا

ستوك نيوز- يهدد إضراب عمال شركة سامسونغ للإلكترونيات “Samsung Electronics” إمدادات الرقائق العالمية، إذ تصنف الشركة الكورية الجنوبية بأنها واحدة من أكبر شركات صناعة رقائق الذاكرة (Memory Chips) في العالم، كما يهدد مكانة كوريا الجنوبية في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي. وقد ذكرت نقابة العاملين بشركة سامسونغ للإلكترونيات في بيان صدر اليوم الاثنين أنها ستشرع في الإضراب كما هو مقرر، حتى بعد أن وافقت محكمة في كوريا الجنوبية جزئياً على طلب من إدارة الشركة بإصدار أمر قضائي يلزمها بضمان ألا يؤدي أي إضراب إلى تعطيل الإنتاج. وأكدت النقابة أنها تحترم الأمر القضائي الصادر عن المحكمة. وسط مخاوف من أن يؤدي إضراب أكثر من 45 ألف عامل إلى الإضرار بالاقتصاد الكوري الجنوبي وتعطيل سلاسل التوريد العالمية خاصة للرقائق المستخدمة على نطاق واسع في الذكاء الاصطناعي والهواتف المحمولة وأجهزة الحاسب الآلي.
ويأتي الإضراب، الذي من المقرر أن يبدأ الخميس المقبل، في ظل نقص عالمي حاد في رقائق الذاكرة، وهي مكونات أساسية في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي والهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر المحمولة. وقد ساهم هذا النقص في ارتفاع أرباح سامسونغ والشركات المنافسة بشكل كبير في الأشهر الأخيرة. وقال متحدث باسم المحكمة، لوكالة رويترز اليوم الاثنين، إن النقابتين الرئيسيتين قد تواجهان غرامات تصل إلى 100 مليون وون (72 ألف دولار) يومياً لكل منهما في حال عدم امتثالهما، بينما قد تُفرض غرامة قدرها 10 ملايين وون يومياً على قادة النقابات.
وارتفعت أسهم شركة سامسونغ للإلكترونيات بنسبة تصل إلى 6.7% في تداولات اليوم الاثنين، بعد صدور حكم المحكمة، متجاوزةً بذلك ارتفاع مؤشر كوسبي القياسي بنسبة 1.4%. وأوضح ها سيوك كيون، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة يوجين لإدارة الأصول، أن الأسباب المباشرة لانخفاض مؤشر كوسبي في وقت سابق “كانت ارتفاع أسعار الفائدة وإضراب عمال شركة سامسونج للإلكترونيات”. وأضاف، وفقاً لوكالة بلومبيرغ، “مع ذلك، لا نرى في هذا بدايةً لاتجاه هبوطي هيكلي، بل تصحيح سعري صحي. في الواقع، نعتقد أن فرص شراء جذابة في الأسهم عالية الجودة بدأت تظهر مجدداً”.
وتشكل شركتا سامسونغ وإس كيه هاينكس معاً ما يقرب من نصف القيمة السوقية الإجمالية لمؤشر كوسبي. ومن المتوقع أن تحقق سامسونغ وإس كيه هاينكس معاً أرباحاً تشغيلية مجمعة تبلغ نحو 500 تريليون وون في عام 2026، وقد تتجاوز ضرائب الشركات المفروضة عليهما وحدها 100 تريليون وون.
قلق حكومي من الإضراب
وأعرب مسؤولون حكوميون في كوريا الجنوبية بشكل متزايد عن قلقهم إزاء الإضراب، محذرين من أنه قد يشكل خطراً كبيراً على النمو الاقتصادي والصادرات والأسواق المالية. وقال الرئيس لي جاي ميونغ، والذي يُنظر إليه على أنه يقود حكومة داعمة للنقابات، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي يوم الاثنين، إنه ينبغي احترام حقوق الإدارة بنفس قدر احترام حقوق العمال. وكتب لي على منصة إكس وفقا لرويترز: “في كوريا الجنوبية، التي تبنت نظاماً ديمقراطياً ليبرالياً واقتصاداً رأسمالياً، ينبغي احترام العمال بنفس قدر احترام الشركات، وينبغي احترام حقوق إدارة الشركات بنفس قدر احترام حقوق العمال”.
وأضاف أن العمال يجب أن يحصلوا على تعويض عادل مقابل عملهم، وأن المساهمين الذين يتحملون المخاطر والخسائر من خلال الاستثمارات يستحقون أيضاً حصة من أرباح الشركة. بينما قال رئيس الوزراء كيم مين-سيوك أمس الأحد إن سيول ستبحث جميع الخيارات، بما في ذلك التحكيم الطارئ، لتفادي إضراب العاملين في شركة سامسونغ إلكترونيكس، وهي أكبر شركة من حيث عدد الموظفين في البلاد، وللتقليل من أي أضرار إذ حدث الإضراب.
وأشار رئيس الوزراء بعد اجتماع طارئ مع الوزراء أمس الأحد إلى أن “يوماً واحداً فقط من التوقف في مصنع أشباه الموصلات التابع لشركة سامسونغ إلكترونيكس سيتسبب في خسائر مباشرة تصل إلى تريليون وون (667.68 مليون دولار)”. وأضاف “ما يثير القلق أكثر هو أن التوقف المؤقت لخطوط إنتاج أشباه الموصلات يؤدي إلى شهور من التوقف عن العمل”، مشيرا إلى أن هناك مخاوف من تضخم الخسائر الاقتصادية لتصل إلى 100 تريليون وون إذا اضطروا إلى التخلص من المواد بسبب الإضراب. وقال كيم إن سامسونغ تمثل 22.8% من صادرات كوريا الجنوبية و26% من سوق الأسهم في البلاد، وتوظف أكثر من 120 ألف شخص وتعمل مع 1700 مورد.
وتتوقع سامسونغ توقفاً تاماً للعمليات خلال فترة الإضراب المخطط لها لمدة 18 يوماً، بمشاركة نحو 45 ألف عضو نقابي. وفي حال حدوث ذلك، تشير تقديرات القطاع إلى خسائر محتملة تتراوح بين 30 و100 تريليون وون. وقد بدأت سامسونج إجراءات “التهدئة”، بتقليص مدخلات الرقائق، حيث إن إيقاف تصنيع الرقائق في منتصف العملية يعني التخلص من رقائق تكلفتها 20 ألف دولار للرقاقة الواحدة.
وقدّر جاي كوون، المحلل في جي بي مورغان وفقاً لموقع فورتشن “Fortune”، أنه في حال استجابت سامسونغ لمطالب النقابة بالكامل، فإن أرباحها التشغيلية لعام 2026 ستواجه انخفاضاً يتراوح بين 7% و12% نتيجة ارتفاع تكاليف العمالة وحدها. بإضافة أكثر من 4 تريليونات وون من الإيرادات المفقودة نتيجة انخفاض الإنتاج لمدة 18 يوماً، يصل إجمالي تأثير ذلك على الأرباح التشغيلية إلى ما يقارب 2.1 إلى 3.5 تريليونات وون، وفقاً للسيناريو الأساسي لبنك جيه بي مورغان، مع توقعات بنتائج أسوأ بكثير في حال اتساع نطاق الإضراب أو بطء التعافي.
استئناف المفاوضات بين إدارة سامسونغ ونقابة العاملين
وستستأنف أكبر شركة لتصنيع رقائق الذاكرة في العالم والنقابة التي تمثل العاملين فيها في كوريا الجنوبية مفاوضات حول الأجور اليوم الاثنين، بحضور وسيط حكومي، في خطوة ربما تهدئ المخاوف بشأن إضراب محتمل ومربك في شركة التكنولوجيا العملاقة التي تمثل ما يقرب من ربع صادرات البلاد. وتأتي محادثات يوم الاثنين في أعقاب انهيار الجولة الأولى من المفاوضات التي رعتها الحكومة الأسبوع الماضي بشأن الأجور والمكافآت في أكبر شركة مصنعة لرقائق الذاكرة في العالم، والتي تمثل ما يقرب من ربع صادرات كوريا الجنوبية. وذكرت وسائل الإعلام أن المفاوضات التي ترعاها الحكومة بين النقابة والشركة ستستمر حتى يوم الثلاثاء.
تطالب نقابات عمال سامسونغ بتخصيص 15% من الأرباح التشغيلية لصندوق المكافآت، وإلغاء الحد الأقصى الحالي الذي يقيد المكافآت بنسبة 50% من الراتب الأساسي، وزيادة الأجور بنسبة 7%. وقد ردّت الإدارة باقتراح 13% تقريباً من الأرباح التشغيلية، ولكن كدفعة لمرة واحدة فقط لعام 2026، من دون الالتزام بإجراء تغييرات هيكلية دائمة. صرّح رئيس النقابة، تشوي سيونغ هو، بأن نحو 200 موظف من سامسونغ انتقلوا إلى شركة إس كيه هاينكس المنافسة، خلال الأشهر الأربعة الماضية. في عام 2024، لم تدفع سامسونغ أي مكافآت أداء بعد أن تكبّدت وحدة تصنيع الرقائق خسائر تشغيلية خلال فترة تراجع سوق الذاكرة.
وفي سبتمبر/أيلول الماضي، توصلت شركة إس كيه هاينكس إلى تسوية مع نقابتها العمالية لتخصيص 10% من أرباحها التشغيلية السنوية مباشرةً للموظفين كمكافآت أداء للعقد القادم، مع إلغاء الحد الأقصى لهذه المكافآت. وبناءً على توقعات الأرباح لعام 2026، يُترجم ذلك إلى متوسط مدفوعات يتراوح بين 460 ألف و477 ألف دولار لكل عامل هذا العام، من بين 35 ألف موظف في إس كيه هاينكس، مع توقعات بوصولها إلى 900 ألف دولار للفرد العام المقبل.
ورغم التحوّل المذهل الذي شهده الربع الأول من عام 2026، حيث ارتفع الربح التشغيلي بنحو ثمانية أضعاف مسجلاً رقماً قياسياً، لم يحصل العمال على أي من هذه المكافآت. بعد فشل جلسة مفاوضات استمرت 17 ساعة في اللجنة الوطنية للعلاقات العمالية في 13 مايو/أيار في التوصل إلى اتفاق، كافحت اللجنة لإيجاد حل وسط. اقترحت اللجنة في البداية صرف مكافآت إجمالية بقيمة 40 تريليون وون (26.7 مليار دولار أميركي)، وهو ما رفضته النقابة. ثم أرسلت سامسونج خطاباً تقترح فيه مزيداً من الحوار المباشر، ولم تقبل النقابة إلا إذا قدّم الرئيس التنفيذي المشارك، جون يونغ هيون، شخصياً مقترحات ملموسة بشأن القضايا الرئيسية. ولم يتم التوصل إلى اتفاق حتى الآن.
أهمية سامسونغ في سوق الذكاء الاصطناعي العالمي
وتُنتج سامسونغ وفقاً لموقع فورتشن حوالي ثلث ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية (DRAM) في العالم، وهي الذاكرة الموجودة في كل هاتف محمول، وحاسوب محمول، وخادم، ومركز بيانات تقريباً على مستوى العالم. وتسيطر، إلى جانب منافستها الكورية إس كيه هاينكس، على ما يقارب ثلثي سوق ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية العالمي، وحصة أكبر من ذاكرة النطاق الترددي العالي (HBM)، وهي الرقائق المتخصصة التي لا يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي العمل بدونها. وتُعد سامسونغ وإس كيه هاينكس اثنتين من ثلاث شركات فقط تُنتج ذاكرة النطاق الترددي العالي، والثالثة هي شركة أشباه الموصلات الأميركية مايكرون.
وتُعد مجمعات سامسونغ الثلاثة للتصنيع في كوريا الجنوبية من أهم ركائز الطفرة الصناعية في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث تُشغل 12 خط إنتاج، وتوظف أكثر من 260 ألف شخص حول العالم، وتستثمر 73 مليار دولار في النفقات الرأسمالية لأشباه الموصلات والبحث والتطوير هذا العام وحده، وهو أكبر استثمار سنوي في مجال الرقائق من قِبل أي شركة وفقا للموقع ذاته.
(الدولار = 1497.7 وون)




