“فكة” غزة المفقودة… مصير مجهول ومبادرات لم تنضج بعد

ستوك نيوز- في الوقت الذي اختفت فيه العملات المعدنية من أسواق غزة بشكل شبه كامل، ظهرت عشرات المبادرات التي حاولت سدّ الفراغ النقدي بوسائل مختلفة، تراوحت بين بطاقات ورقية صغيرة وتطبيقات إلكترونية وقطع نحاسية جرى تداولها بديلاً عن “الفكة”. ورغم أن هذه المبادرات لاقت انتشاراً في بعض المناطق والأسواق الشعبية، فإنها أثارت في الوقت نفسه موجة واسعة من التساؤلات حول قانونيتها وجدواها الاقتصادية، خاصة مع غياب أي جهة رسمية تشرف عليها أو تضمن حقوق المستخدمين.
ويقول الفلسطيني علاء حمودة إن أزمة الفكة أجبرت المواطنين على التعامل مع حلول بديلة من دون معرفة واضحة بالجهات التي تقف خلفها، مشدداً على أن من حق الناس أن تعرف بشكل صريح الجهة القانونية أو الرسمية التي تدير هذه العملات أو البطاقات المتداولة في الأسواق. ويضيف حمودة لـ”العربي الجديد” أن أي وسيلة نقدية يجري تداولها بين الناس يجب أن تكون مدعومة بضمانات حقيقية وواضحة، متسائلاً عن الضمان الفعلي لقيمة هذه العملات واستمرار التعامل بها، خاصة في ظل غياب أي إطار قانوني أو مصرفي ينظم عملها ويحمي المستخدمين من الخسائر المحتملة.
كما يشير إلى أن المخاوف تتزايد مع احتمالية عودة العملة الرسمية إلى التداول الطبيعي في الأسواق والبنوك مستقبلاً، متسائلاً عن مصير هذه العملات والبطاقات حينها، مؤكداً أن الثقة وحدها لا تكفي لبناء نظام نقدي مستقر، وأن أموال المواطنين ومدخراتهم أكبر من أن تُترك للغموض أو للتجارب غير المضمونة.
من جهته، يقول الفلسطيني معاذ الحلو إنه اضطر إلى شراء بطاقات ورقية بديلة عن الفكة لاستخدامها في شراء الخبز ودفع أجرة المواصلات، بعدما أصبحت العملات الصغيرة شبه مفقودة من الأسواق، موضحاً أن هذه البطاقات انتشرت إلى حد كبير في البداية داخل مخيم المغازي وسط قطاع غزة.
ويضيف الحلو لـ”العربي الجديد” أن العديد من المحال التجارية والسائقين كانوا يقبلون التعامل بهذه البطاقات خلال الأسابيع الأولى من طرحها، الأمر الذي شجّع المواطنين على شرائها وتداولها يومياً لتسيير احتياجاتهم الأساسية. ويوضح أن المشكلة بدأت بعد عدة أسابيع، حين توقفت غالبية المحال والسائقين عن التعامل بهذه البطاقات بشكل مفاجئ، من دون وجود أي جهة يمكن الرجوع إليها لاسترداد الأموال أو استبدال البطاقات، ما تسبب بخسارته جزءاً من أمواله، مؤكداً أن غياب الجهة الضامنة جعل المواطنين يتحملون وحدهم تبعات فشل التجربة.
في غضون ذلك، يؤكد اقتصاديون أن الأزمة الحقيقية لا تكمن فقط في نقص الفكة، وإنما في الفراغ التنظيمي الذي سمح بظهور أدوات نقدية موازية خارج الإطار المصرفي والرقابي، مشددين على أن استمرار هذه الظاهرة قد يحمل مخاطر اقتصادية مستقبلية، خصوصاً في ظل اعتماد المواطنين على أدوات مالية غير مضمونة يمكن أن تفقد قيمتها أو تتوقف عن التداول في أي لحظة.
وفي بيان حديث لها، أكدت نقابة الصاغة وتجار المعادن الثمينة في غزة أن القطع المتداولة ضمن مبادرة “فكة” لا تحتوي على قيمة فعلية من الذهب، موضحة أن المادة الأساسية المصنّعة منها هي النحاس، ولا تُصنّف بأنها مشغولات ذهبية معتمدة. وحذّرت النقابة من الترويج لها باعتبارها “ملاذاً آمناً”، داعية المواطنين إلى توخي الحذر وعدم التعامل مع أي منتجات تُسوّق بصفات استثمارية أو نقدية من دون اعتماد رسمي.
في المقابل، يقول المختص في الشأن الاقتصادي عماد لبد، إن أزمة الفكة في غزة تحولت إلى تحدٍّ يومي يمس أبسط احتياجات المواطنين، بدءاً من شراء الخبز والاحتياجات الأساسية، وصولاً إلى دفع أجرة المواصلات، ما جعل الأزمة تتجاوز بعدها النقدي لتصبح جزءاً من المعاناة اليومية التي يعيشها السكان في القطاع. ويوضح لبد لـ”العربي الجديد” أن هذا الواقع دفع كثيراً من المواطنين وأصحاب المشاريع الصغيرة إلى ابتكار حلول بديلة، سواء عبر مبادرات فردية أو بطاقات ورقية أو تطبيقات إلكترونية أو حتى عملات نحاسية، معتبراً أن هذه المحاولات تعكس قدرة المجتمع الغزّي على التكيف والإبداع في ظل الظروف الاقتصادية المعقدة والحصار المستمر.
لكنه شدد، في المقابل، على أن انتشار هذه الحلول يفتح الباب أمام تساؤلات اقتصادية وقانونية مهمة، أبرزها غياب البنوك والمؤسسات المصرفية عن تقديم حلول منظمة وآمنة رغم ما تمتلكه من خبرة وثقة مالية، متسائلاً عن أسباب ترك المواطنين يلجؤون إلى وسائل بديلة غير مضمونة خارج الإطار المصرفي الرسمي. ويشدد لبد على أن توسع استخدام التطبيقات والبطاقات البديلة من دون وجود جهة ضامنة أو رقابة رسمية يحمل مخاطر كبيرة على المواطنين والأسواق، مؤكداً أن أي أدوات نقدية يجب أن تخضع لإشراف قانوني ومصرفي واضح يضمن حقوق المستخدمين ويحافظ على استقرار السوق المحلي.
ويتفق المختص في الشأن الاقتصادي عمر صلوحة مع ما طرحه لبد، معتبراً أن المشكلة الأبرز في هذه المبادرات تتمثل في غياب الغطاء الرسمي والجهة الضامنة لها، متسائلاً عن مصير أموال المواطنين التي تُدفع مقابل البطاقات أو العملات البديلة، ومن يتحمل المسؤولية في حال حدوث خلل تقني أو عمليات احتيال أو حتى اختفاء الجهة المصدرة.
ويوضح لـ”العربي الجديد” أن المسألة ليست هامشية، خاصة أن حجم الأموال المتداولة في بعض هذه المبادرات أصبح كبيراً نسبياً، في وقت تفتقر فيه الأسواق إلى أي رقابة قانونية أو تنظيمية، ما يجعل المواطنين عرضة لخسائر حقيقية في بيئة اقتصادية هشة بطبيعتها. كذلك، يطالب صلوحة الجهات الرسمية، وخصوصاً وزارة الاقتصاد والبنوك والمؤسسات المصرفية، بالتعامل مع أزمة الفكة بجدية أكبر، والعمل على إيجاد حلول رسمية وآمنة تضمن حقوق المواطنين، بدل ترك المجال مفتوحاً أمام مبادرات فردية أو تجارية تعمل خارج أي إطار قانوني أو رقابي واضح.
وبذلك، تكشف أزمة الفكة في غزة أن المبادرات المنتشرة، رغم اتساع استخدامها، ما تزال تفتقر إلى الأسس القانونية والاقتصادية التي تضمن نجاحها واستمرارها، فغياب الرقابة والجهات الضامنة حوّل هذه الحلول إلى أدوات محفوفة بالمخاطر قد تُفقد المواطنين أموالهم، وتزيد حالة الفوضى النقدية بدل أن تقدم حلاً حقيقياً ومستقراً للأزمة.
وتعود أزمة “الفكة” في قطاع غزة الفلسطيني إلى الأشهر الأولى من الحرب، حين تراجعت بحدّة كميات النقد المتداول، نتيجة تعطل عمل البنوك التجارية وصعوبة إدخال السيولة إلى القطاع، إضافة إلى لجوء المواطنين والتجار إلى تخزين العملات المعدنية الصغيرة. ومع تفاقم الأزمة، باتت الأسواق تعاني نقصاً كبيراً في العملات ذات الفئات الصغيرة اللازمة للشراء اليومي، ما دفع بعض التجار وأصحاب المبادرات إلى ابتكار وسائل دفع بديلة لتسهيل عمليات البيع والشراء.




