الصين تحاصر مصانع أوروبا… إغراق دوائي واستثمارات تهدد 29 مليون وظيفة

ستوك نيوز- لم يعد الحديث داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي يدور حول المنافسة التجارية مع الصين أو اختلال الميزان التجاري بين الطرفين فحسب، بل تحول إلى نقاش أوسع يتعلق بمستقبل القاعدة الصناعية الأوروبية نفسها. فخلال السنوات الماضية نجحت بكين في ترسيخ موقعها باعتبارها أكبر مركز صناعي في العالم، لكنها لم تعد تكتفي بالتصدير المباشر إلى الأسواق الأوروبية، بل بدأت في بناء شبكات إنتاج واستثمار تمتد من آسيا إلى شمال أفريقيا، في وقت تتزايد فيه شكاوى الشركات الأوروبية من الإغراق والدعم الحكومي الصيني وفقدان القدرة على المنافسة. والخميس الماضي، حذّرت شركة ساندوز السويسرية من أن أوروبا قد تفقد قدرتها على إنتاج المضادات الحيوية بسبب المنافسة الصينية المدعومة. فيما تتصاعد المخاوف الأوروبية من تحول المغرب إلى منصة صناعية صينية ضخمة تخدم السوق الأوروبية. وخرج نائب رئيس المفوضية الأوروبية التنفيذي ستيفان سيجورنيه بتحذير غير مسبوق من أن أوروبا تواجه تحدياً وجودياً قد يهدد ملايين الوظائف ويقوض وحدة السوق الأوروبية إذا لم تتحرك بروكسل بسرعة أكبر.
مليار يورو يومياً
وقدم سيجورنيه صورة قاتمة عن مسار العلاقات التجارية مع الصين. وقال خلال مقابلة مع صحيفة لوموند الفرنسية، أول أمس السبت، إن بكين تحقق فائضاً تجارياً مع الاتحاد الأوروبي يبلغ نحو مليار يورو يومياً، وهو رقم يعكس حجم الاختلال القائم بين أكبر كتلتين اقتصاديتين في العالم. ووفقاً للمسؤول الأوروبي، فإن استمرار هذا الاتجاه يعني أن العجز التجاري الأوروبي مع الصين قد يرتفع إلى نحو 500 مليار يورو بحلول عام 2027. ولا ينظر الأوروبيون إلى هذه الأرقام باعتبارها مجرد مؤشرات اقتصادية، بل باعتبارها انعكاساً مباشراً لتراجع القدرة الإنتاجية المحلية وانتقال أجزاء متزايدة من النشاط الصناعي إلى الخارج. وحذر سيجورنيه من أن نحو 29 مليون وظيفة أوروبية أصبحت معرضة للخطر على المدى القصير نتيجة هذه التحولات، مشيراً إلى أن أوروبا نقلت خلال العقود الماضية جزءاً كبيراً من صناعاتها إلى الصين، وأن الخطر لم يعد يقتصر على التصنيع فقط، بل بدأ يقترب من قطاعات الخدمات والتكنولوجيا أيضاً.
وبحسب تصريحات سيجورنيه، فإن نحو 99% من الشركات الصينية المدرجة والعاملة في أوروبا حصلت على أشكال مختلفة من الدعم الحكومي، فيما يعمل ربع هذه الشركات بخسائر داخل السوق الأوروبية. كما تشير التقديرات الأوروبية إلى أن الصين تخصص ما يعادل 4% من ناتجها المحلي الإجمالي لدعم الأنشطة الاقتصادية والشركات الصناعية، وهو مستوى يفوق بكثير ما هو معمول به في الاقتصادات الأوروبية. وتعتبر بروكسل أن هذه السياسة تسمح للشركات الصينية بخفض الأسعار إلى مستويات يصعب على المنافسين الأوروبيين مجاراتها، وهو ما يؤدي في النهاية إلى فقدان الحصص السوقية وإغلاق المصانع المحلية.
وفي قطاع الأدوية، حذرت شركة ساندوز، التي تعد من أكبر الشركات العالمية المنتجة للأدوية الجنيسة، من أن أوروبا تواجه خطر فقدان جزء كبير من قدراتها التصنيعية في مجال المضادات الحيوية. وقالت الشركة في بيان رسمي، الخميس الماضي، إن ما يصل إلى 90% من المواد الفعالة المستخدمة في إنتاج المضادات الحيوية يتم تصنيعها حالياً خارج أوروبا، بينما تسيطر الصين على الحصة الأكبر من هذه السوق. وتقدمت “ساندوز” بمسودة شكوى رسمية إلى المفوضية الأوروبية تتهم فيها المنتجين الصينيين بممارسة الإغراق في سوق المادة الفعالة المستخدمة في إنتاج دواء الأموكسيسيلين، وهو أكثر المضادات الحيوية استخداماً في أوروبا. وقال الرئيس التنفيذي للشركة، ريتشارد ساينور، في تصريحات لصحيفة فايننشيال تايمز، أمس الأحد، إن حماية إمدادات المضادات الحيوية لم تعد قضية صحية فقط، بل أصبحت قضية أمن اقتصادي واستراتيجي. وأضاف أن أوروبا قد تجد نفسها خلال سنوات قليلة معتمدة بالكامل تقريباً على الواردات الخارجية إذا لم يتم التدخل لحماية الصناعة المحلية.
إغلاق المصانع يتوسع
وفي فبراير/شباط الماضي، أعلنت شركة روش السويسرية، إحدى أكبر شركات الأدوية العالمية، أنها تبحث عن مشتر لمضادها الحيوي الشهير “روسيفين” (Rocephin)، بالتزامن مع خطط لإنهاء الإنتاج في منشأتها بمدينة كايزرأوغست السويسرية بحلول نهاية العقد الحالي، مبررة القرار بارتفاع تكاليف التصنيع وتراجع الأسعار واتساع المنافسة من الأدوية المكافئة. وفي 7 مايو/أيار المنصرم، أعلنت شركة زيليا فارماسيوتيكالز، التي تعد آخر منتج أوروبي رئيسي للمواد الفعالة المستخدمة في عدد من المضادات الحيوية، إغلاق أكبر منشآتها الإنتاجية في كوبنهاغن ونقل جزء من عملياتها إلى منشآتها في تايتشو، بعد سنوات من الضغوط الناتجة عن المنافسة الصينية منخفضة التكلفة.
وتحذّر الشركات الأوروبية من أن استمرار الأسعار المنخفضة المدعومة حكومياً قد يؤدي إلى خروج المزيد من المنتجين من السوق خلال السنوات المقبلة. كما تخشى النقابات العمالية من فقدان آلاف الوظائف الصناعية عالية المهارة، خصوصاً في الدول التي تعتمد على الصناعات الدوائية والكيميائية مصدراً رئيسياً للتوظيف والصادرات. ولا يقتصر القلق الأوروبي على قطاع الدواء، بل يمتد أيضاً إلى صناعة الكيماويات الأوروبية، التي تعد من أكبر القطاعات الصناعية في القارة. وقال سيجورنيه إن الصين تتبع سياسة “عدوانية للغاية” في هذا المجال، مضيفاً أن الصناعة الكيميائية الأوروبية تموت حالياً. وتشكل الصناعات الكيميائية حلقة أساسية في سلاسل القيمة الصناعية الأوروبية، بدءاً من الصناعات الدوائية ووصولاً إلى السيارات والطيران والإلكترونيات. ويرى المسؤولون الأوروبيون أن فقدان هذه الصناعة لن يقتصر أثره على الشركات المنتجة فقط، بل سيمتد إلى عشرات القطاعات الأخرى التي تعتمد عليها.
ويأتي هذا القلق في وقت فرض فيه الاتحاد الأوروبي رسوماً جمركية تصل إلى 45% على السيارات الكهربائية الصينية. لكن المسؤولين الأوروبيين يخشون أن يؤدي التوسع الصناعي الصيني في دول مجاورة إلى تقليص فعالية هذه الإجراءات. كما أن أوروبا تواجه تحدياً إضافياً يتمثل في اعتمادها المتزايد على الصين في سلاسل توريد البطاريات والمعادن النادرة والتكنولوجيات النظيفة، وهي القطاعات التي يفترض أن تشكل أساس التحول الأخضر الأوروبي خلال العقود المقبلة.




