وظيفة لا تكفي لبناء حياة.. كيف غيّر العمل الهش خطط الشباب؟

ستوك نيوز – وبينما كان يُنظر إلى العمل بوصفه المرحلة التي ينتقل فيها الشاب من الدراسة إلى الاستقلال، أصبح كثيرون اليوم يواجهون واقعًا مختلفًا، فالمشكلة لم تعد فقط في العثور على عمل، بل في الحصول على عمل يمنح صاحبه الأمان والقدرة على التخطيط.
ويجد عدد متزايد من الشباب أنفسهم عالقين في مرحلة انتقالية طويلة، يعملون ويكسبون دخلًا، لكنهم غير قادرين على اتخاذ قرارات أساسية مثل السكن المستقل أو الزواج أو تكوين أسرة.
أشكال متعددة للعمل الهش
لا يقتصر العمل الهش على نموذج واحد، فهو يشمل العقود المؤقتة التي لا تضمن الاستمرار، والوظائف غير الرسمية التي تفتقر إلى الحماية الاجتماعية، والأعمال التي تعتمد على دخل متغير، إضافة إلى وظائف المنصات الرقمية التي يرتبط دخل العامل فيها بحجم الطلب المتاح.
ورغم اختلاف هذه الأنماط، فإنها تشترك في غياب عنصر أساسي: القدرة على التنبؤ بالمستقبل، فالعامل لا يحتاج فقط إلى معرفة مقدار ما يحصل عليه هذا الشهر، بل يحتاج إلى ضمانات تمكنه من التخطيط لما بعد ذلك.
فالاستقرار الوظيفي لا يرتبط بالراتب فقط، بل بوجود حماية عند المرض أو فقدان العمل، وبالقدرة على مواجهة الظروف الطارئة دون الانهيار المالي.
ولهذا قد تكون وظيفة بدخل أقل لكنها مستقرة أكثر قدرة على بناء حياة طويلة الأمد من وظيفة ذات دخل أعلى لكنها غير مضمونة.
أزمة تتجاوز غياب الوظائف
تظهر مشكلة العمل الهش بوضوح في المنطقة العربية، حيث يواجه الشباب تحديات كبيرة في الوصول إلى وظائف مستقرة، فحتى من يجدون فرص عمل قد يواجهون وظائف لا تتناسب مع مؤهلاتهم أو لا توفر لهم دخلًا كافيًا أو حماية مستقبلية.
كما أن أرقام البطالة لا تعكس الصورة كاملة، فهناك من يعملون في وظائف مؤقتة، أو بدوام غير كامل، أو ينتقلون باستمرار بين فرص قصيرة الأجل دون القدرة على بناء مسار مهني واضح.
وبذلك لم يعد الفاصل بين العمل والبطالة واضحًا كما كان سابقًا، إذ توجد مساحة واسعة من الوظائف التي تمنح دخلًا محدودًا لكنها لا توفر مقومات الاستقرار.
لماذا يؤجل الشباب قراراتهم؟
تحتاج القرارات الكبرى في الحياة إلى أكثر من مجرد راتب شهري، فالاستقلال يحتاج إلى قدرة على تحمل تكاليف السكن، والزواج يحتاج إلى التزام مالي مستمر، بينما تتطلب الدراسة أو الانتقال أو تأسيس مشروع شخصي وجود قدر من الأمان.
لكن عندما يكون الدخل متقلبًا أو العقد قصير الأجل، تتحول هذه الخطوات إلى مخاطر يصعب الإقدام عليها، ولهذا تتأجل خطط كثيرة لدى الشباب.
الأسرة تعوض غياب الأمان
في ظل ضعف الأجور والحماية الاجتماعية، تصبح الأسرة في كثير من الحالات شبكة الأمان الأساسية للشباب العاملين.
فقد يساهم الشاب في مصاريف المنزل، لكنه لا يستطيع تحمل تكاليف حياة مستقلة، وقد يحتاج إلى دعم أسرته خلال فترات البطالة أو الانتقال بين وظيفة وأخرى.
ولا يعني ذلك بالضرورة غياب الرغبة في الاستقلال، بل يعكس تحول الأسرة إلى بديل عملي عن أنظمة الحماية التي لا توفرها سوق العمل.
لكن هذا الدعم يخفي مشكلة أعمق، وهي أن استمرار العامل لا يعتمد دائمًا على قوة وظيفته، بل على قدرة أسرته على مساعدته وتحمل جزء من أعبائه.
غالبًا ما تُحمّل أزمة العمل للشباب أنفسهم عبر نصائح تتعلق بتطوير المهارات أو زيادة ساعات العمل أو البحث عن مصادر دخل إضافية، ورغم أهمية هذه الخطوات، فإنها لا تحل وحدها مشكلة مرتبطة بطبيعة الاقتصاد وسوق العمل وارتفاع تكاليف المعيشة.
لقد تغير معنى النجاح بالنسبة لجيل كامل، فلم تعد الوظيفة وحدها دليلًا على الاستقرار، ولم يعد تأخر الزواج أو الاستقلال مؤشرًا على غياب الطموح.
فالوظيفة الحقيقية ليست فقط تلك التي تمنع صاحبها من البطالة، بل التي تمنحه القدرة على التخطيط والادخار ومواجهة المستقبل.
أما الوظيفة التي تستهلك الوقت والطاقة فقط للوصول إلى نهاية الشهر، فقد توفر وسيلة للعيش، لكنها لا تمنح بالضرورة فرصة لبناء حياة جديدة.




