ليبيا تعيد تنظيم دعم الدقيق وتربطه بحجم إنتاج المخابز

ستوك نيوز – تتجه ليبيا إلى إعادة تنظيم منظومة دعم الدقيق المخصص للمخابز، عبر ربط الكميات الموزعة بحجم الإنتاج الفعلي، في محاولة للحد من تسرب الدعم، وضبط توزيع إحدى السلع الأساسية، وسط ضغوط متزايدة على قطاع الخبز، بسبب ارتفاع تكاليف الدقيق والوقود والكهرباء.
وأعلنت وزارة الحكم المحلي توقيع مذكرة تفاهم مع وزارة الصناعة والمعادن لإطلاق ما وصفته بـ”المبادرة الوطنية لاستقرار ودعم صناعة الخبز”، وذلك عقب اجتماعات للجنة السياسة الاقتصادية، وبمشاركة عدد من عمداء البلديات.
وتستهدف المبادرة نحو 1876 مخبزاً في مختلف أنحاء ليبيا، وتنص على تنظيم توزيع الدقيق المدعوم، وربط الكميات المخصصة لكل مخبز بحجم إنتاجه الفعلي؛ بهدف الحد من تسرب الدقيق والوقود والمخصصات المالية، وضمان وصول الدعم إلى المستفيدين.
نظام للمتابعة والرقابة الميدانية
تشمل الآلية المقترحة نظاماً للمتابعة والرقابة الميدانية والإلكترونية بمشاركة البلديات، والحرس البلدي، ونقابة الخبازين، ومراقبي وزارة الصناعة والجهات ذات العلاقة، على أن تضم عمليات المتابعة حجم الإنتاج، وجودة الخبز، ووزنه، ومدى توافره للمستهلكين.
وجاء ذلك بعد سلسلة اجتماعات وتحركات حكومية خلال الأسابيع الأخيرة لمتابعة أزمة المخابز والدقيق، حيث ناقشت لجنة الطوارئ المكلفة بمتابعة أوضاع المخابز آليات توزيع وتسليم الدقيق، وحصر الكميات ومطابقتها بالإنتاج الفعلي، كما أجرت زيارات ميدانية إلى عدد من مصانع الدقيق والمخابز لرصد الاحتياجات والعراقيل التي تواجه الإنتاج والتوزيع. ولا يمثل هذا الفارق بالضرورة إجمالي قيمة الدعم الحكومي، وإنما يعكس الفرق السعري ضمن الآلية المعلنة لتوفير الدقيق للمخابز المستفيدة.
ضغوط التشغيل وقفزات الأسعار
تواجه المخابز في المقابل، ارتفاعاً كبيراً في تكاليف الإنتاج؛ إذ سجل سعر قنطار الدقيق في السوق مستويات أعلى خلال الأشهر الأخيرة، فيما أدى نقص وقود الديزل وارتفاع أسعاره في السوق الموازية، إلى جانب انقطاعات الكهرباء إلى زيادة أعباء التشغيل والنقل.
وكانت نقابة الخبازين قد حذرت في شهر أغسطس/ آب الماضي من أن ارتفاع أسعار الدقيق ونقص الوقود قد يدفع بعض المخابز إلى تقليص نشاطها أو التوقف عن العمل. وارتفع سعر قنطار الدقيق، وفق بيان صحافي للنقابة، من نحو 190 ديناراً في يناير/ كانون الثاني الماضي إلى نحو 275 ديناراً في شهر أغسطس 2026 (الدولار = نحو 6.3 دنانير).
وانعكست هذه الضغوط على أسعار الخبز في بعض المناطق الليبية، حيث ارتفع سعر الرغيف في مناطق عدة إلى نحو دينار واحد، بينما بلغ سعر الرغيف الصغير نحو 75 قرشاً، وفق تقارير محلية عن السوق.
وحسب مراقبين، تكشف هذه التطورات أن مشكلة الخبز في ليبيا لا ترتبط بسعر الدقيق وحده، بل تمتد إلى تكلفة الوقود والكهرباء والنقل وبقية مستلزمات الإنتاج، وهو ما يجعل تثبيت سعر البيع للمستهلك أكثر صعوبة بالنسبة إلى المخابز عندما ترتفع تكاليف التشغيل.
وتشير بيانات السوق إلى تفاوت كبير في أسعار الدقيق حسب الأنواع والمناطق؛ ففي مطلع سبتمبر/ أيلول الجاري تراوحت أسعار قنطار الدقيق التجاري في السوق بين نحو 295 و390 ديناراً وفق النوع، وهو مستوى أعلى من السعر المعلن للدقيق المدعوم المخصص للمخابز.
تحديات تطبيق الآلية والمخاطر
توصي تقارير رقابية وتجارية بوضع آليات موحدة لضبط أسعار الخبز ومواصفاته وأوزانه، مع تشديد الرقابة على المخابز ومسار توزيع الدقيق، بما يمنع استفادة غير المستحقين من الدعم أو تسرّبه إلى السوق الموازية.
وتكمن الصعوبة الرئيسية أمام المبادرة الجديدة في الانتقال من توزيع الدقيق على أساس الكميات المخصصة إلى قياس الاستهلاك والإنتاج الفعلي لكل مخبز، وهو ما يتطلب قاعدة بيانات دقيقة، وآلية رقابة مستمرة، وربطاً إلكترونياً بين المخابز والبلديات والجهات الرقابية، بحسب المحلل الاقتصادي طارق الصرماني.
وأوضح الصرماني، في تصريح لـ “العربي الجديد”، أن ضبط مسار الدقيق لن يحل بمفرده أزمة الخبز إذا استمرت أسعار الوقود والكهرباء والنقل ومستلزمات الإنتاج في الارتفاع، ولذلك فإن نجاح المبادرة سيعتمد على قدرتها على ضبط سلسلة الدعم كاملة، من تخصيص الدقيق، وتسليمه إلى المخبز، وصولاً إلى إنتاج الرغيف وبيعه بالسعر والوزن والمواصفات المحددة.
وأضاف المحلل الاقتصادي أن القضية تتحول من مجرد دعم لسعر الدقيق إلى اختبار أوسع لقدرة السلطات الليبية على إدارة الدعم بصورة تستهدف المستفيد النهائي، وتحد من الهدر والتسرب، دون تحميل المخابز وحدها كلفة ارتفاع مدخلات الإنتاج، أو نقل العبء مجدداً إلى المستهلك.




