أخبار عاجلةالأسواق

أسواق مصر تحت ضغط قفزات أسعار الحبوب والسلع عالمياً

ستوك نيوز – تواجه فاتورة الغذاء المصرية اختباراً جديداً مع ارتفاع أسعار الحبوب عالمياً واضطراب الإمدادات عبر البحر الأسود، وزيادة تكاليف الشحن والتأمين، المدفوعة باستمرار العمليات العسكرية في باب المندب ومضيق هرمز، في وقت تهدّد فيه أخطار الجفاف الحبوب وارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة بتمديد موجة تضخم الغذاء إلى عام 2027. تتجاوز المخاطر القمح الذي تعتمد عليه منظومة الخبز المدعم في مصر، إلى الذرة المستخدمة في الأعلاف والزيوت النباتية ومدخلات الصناعات الغذائية، بما يفتح مسارات متعدّدة لانتقال صدمة الاستيراد إلى أسعار الغذاء المحلية والموازنة العامة.

تكشف إحصاءات حجم تأثر مصر بالأسواق الخارجية، إذ بلغت قيمة واردات القمح نحو 4.44 مليارات دولار، والذرة نحو 2.26 مليار دولار، بإجمالي يقارب 6.7 مليارات دولار للصنفين، وفقاً للأرقام الواردة في بيانات التجارة الدولية المنشورة عبر البنك الدولي لعام 2024. وترتفع الفاتورة إلى 9.3 مليارات دولار، عند إضافة الزيوت النباتية والأعلاف الجاهزة، حيث تستورد مصر نحو 75% من احتياجاتها السنوية، متأثرة بحجم الانكشاف أمام تغيرات الأسعار العالمية والشحن وسعر الصرف. يعتمد المصريون على شراء 50% من احتياجاتهم السنوية من القمح من الخارج، وتبرز أهمية الذرة باعتبارها مدخلاً رئيسياً للأعلاف، بما يجعل ارتفاع تكلفتها قابلاً للانتقال إلى أسعار الدواجن والبيض واللحوم والألبان. وكانت البرازيل أكبر مورد للذرة إلى مصر في 2024، بنحو 4.63 ملايين طن قيمتها 1.14 مليار دولار، تلتها أوكرانيا بنحو 3.42 ملايين طن قيمتها 842 مليون دولار، ثم الأرجنتين.
يؤكد مستوردون أن تعدّد المناشئ يتيح بدائل أمام المستوردين، لكنّه لا يعزل مصر عن ارتفاع الأسعار العالمية أو المنافسة على الشحنات المتاحة، خصوصاً إذا اتجه مستوردون آخرون إلى الموردين أنفسهم لتعويض نقص الإمدادات، مع ذلك ما زالت منطقة البحر الأسود تمثل مصدر الخطر الأكبر على إمدادات القمح المصرية، في ظل اعتماد البلاد على روسيا وأوكرانيا، واستمرار الهجمات على الموانئ والبنية التحتية وتعطل مسارات الشحن، إذ بلغت واردات مصر من القمح الروسي نحو 8.5 ملايين طن، ومن القمح الأوكراني نحو مليونَي طن عام 2024.

تبدو شراهة السوق المصرية واضحة لواردات الحبوب من البلدين المتقاتلين، إذ تبدو حريصة على عقد صفقات شراء منها، خلال العام الجاري، رغم ارتفاع سعر طن القمح إلى 316 دولار منتصف سبتمبر/ أيلول الماضي مقابل 246 دولار في يوليو/ تموز 2026، بزيادة 28.5%، خلال أقل من 3 أشهر، مع ارتفاع تكلفة التأمين بنحو 40% يومياً، وزيادة 20% بتكلفة الشحن، بعد نقل مصدر التوريد الروسي إلى موانئ البلطيق بدلاً من البحر الأسود.
في تقرير نشرته “إس آند بي غلوبال” في 7 أكتوبر الجاري، قالت المؤسسة إنّ واردات مصر من القمح تراجعت في سبتمبر إلى نحو 359 ألف طن، بانخفاض 50% على أساس شهري و74% على أساس سنوي، وارتفع سعر القمح في السوق المصرية إلى 17 ألف و200 جنيه للطن في المستودعات، بزيادة 200 جنيه على أساس أسبوعي (الدولار = نحو 56 جنيهاً)، بينما بلغت تكلفة القمح الواصل إلى شرق المتوسط نحو 313 دولاراً للطن في 6 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري.

تقدر منظمة الأغذية والزراعة احتياجات مصر من واردات القمح في موسم 2026/ 2027 بنحو 13.5 مليون طن، والذرة بنحو 15.5 مليون طن، بينما تؤكد وزارة الزراعة أن زارعة القمح محلياً وفرت نحو 10 ملايين طن، سلم المزارعون نحو 5 ملايين طن منها إلى الصوامع الحكومية. في الوقت ذاته شهد سعر طن الدقيق محلياً من 16 ألف جنيه إلى 21 ألفاً مطلع أكتوبر الجاري، بزيادة تقارب 30%. وأظهرت بيانات بوابة أسعار السلع التابعة لمركز معلومات مجلس الوزراء، في 15 أكتوبر، وصول سعر كيلو الفول المعبأ إلى 64.20 جنيهاً، والدقيق المعبأ إلى 28.19 جنيهاً، والسكر إلى 36.10 جنيهاً. ورصد “العربي الجديد” ارتفاعاً في أسعار البيض البلدي والدواجن الطازجة واللحوم الحمراء بنحو 15%.

ويحذر الخبير الاقتصادي أحمد خزيم، من تداعيات تصاعد الحروب والتوترات العسكرية على الاقتصاد المصري، في ظل اعتماد البلاد على استيراد كميات كبيرة من السلع الغذائية ومستلزمات الإنتاج، مشيراً في تصريح لـ”العربي الجديد” إلى أن اضطراب حركة التجارة الدولية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، بالتزامن مع زيادة أسعار النفط والغاز، قد يرفع فاتورة الواردات ويزيد الضغوط على الموازنة العامة وأسعار المستهلكين. وقال خزيم، إنّ مصر تواجه ضغوطاً متزامنة نتيجة ارتفاع أسعار السلع والحبوب عالمياً، وتزايد المخاطر التي تحيط بالممرات الملاحية، محذراً من أن استمرار التصعيد العسكري قد ينعكس على تكلفة استيراد القمح والزيوت والبقوليات وغيرها من السلع الأساسية، فضلاً عن الوقود ومدخلات الإنتاج التي تعتمد عليها قطاعات الصناعة والزراعة.

وأوضح أن تصاعد المواجهات بين روسيا وأوكرانيا وكذلك العمليات العسكرية في اليمن ومدخل باب المندب، وما يصاحبها من اضطرابات في حركة السفن والشحنات التجارية يضع الدول المستوردة أمام تحديات إضافية، إذ قد تضطر إلى البحث عن مصادر بديلة للإمدادات، حتّى لو كانت أبعد جغرافيا وأكثر تكلفة. ولفت خزيم إلى أنّ ارتفاع تكلفة الحبوب لا يتوقف تأثيره عند سعر القمح المستورد، بل يمتد إلى تكلفة إنتاج الدقيق والمخبوزات والأغذية المصنعة، بما يرفع الضغوط على المستهلك النهائي، خصوصاً إذا تزامن مع زيادة أسعار الزيوت والبقوليات والسلع الغذائية الأخرى، مبيناً أنّ ارتفاع تكلفة الأعلاف المستوردة يزيد تكلفة البروتين الحيواني، في وقت تواجه فيه الأسر ضغوطاً متزايدة على ميزانياتها. وحذر خزيم من أنّ ارتفاع تكلفة الواردات يأتي في وقت تواجه فيه الدولة التزامات مالية وديوناً مستحقة، وأشار إلى التزامات خارجية تقدر بنحو 51 مليار دولار خلال العام المالي 2026/ 2027، قد يترتب على ذلك ارتفاع احتياجات التمويل، أو زيادة الضغوط على بنود الإنفاق الأخرى، أو تحمل المستهلكين جزءاً من الزيادات من خلال ارتفاع الأسعار، منوهاً إلى أنّ هذه التطورات قد تخلق حلقة من الضغوط المتبادلة، تبدأ بارتفاع أسعار الطاقة والخامات والنقل، ثم انتقال الزيادة إلى أسعار المنتجات، قبل أن تؤدي تكلفة التمويل المرتفعة إلى إبطاء النشاط الاقتصادي وتراجع الاستهلاك.

وتضع موجة ارتفاع أسعار الغذاء الحكومة المصرية أمام اختبار مزدوج في مواجهة، زيادة تكلفة تأمين السلع الأساسية، والحفاظ على قدرة منظومة الدعم على حماية الأسر من الغلاء، في وقت تتواصل فيه مراجعة قوائم المستفيدين واستبعاد غير المستحقين. قال وزير التموين والتجارة الداخلية شريف فاروق في تصريح حديث، إنّ نحو 64.5 مليون مواطن يحصلون على الخبز المدعم، بينما يستفيد 57.5 مليون من السلع التموينية، ويحصل الفرد على دعم سلعي بقيمة 50 جنيهاً شهرياً، مؤكداً وجود احتياطي استراتيجي من السلع الأساسية يكفي نحو 6 أشهر، وإن الوزارة تسلمت 5 ملايين طن من القمح المحلي، فيما تستمر مبادرة خفض أسعار 30 سلعة حتّى مارس 2027.

زر الذهاب إلى الأعلى