أخبار الشركات

بريطانيا تقلص إفصاح الشركات ومخاوف الاحتيال تتصاعد

أثار تراجع بريطانيا عن إلزام الشركات الصغيرة بإيداع قوائم الأرباح والخسائر لدى هيئة تسجيل الشركات البريطانية “كومبانيز هاوس” مخاوف من إضعاف الرقابة على الأنشطة المالية المشبوهة، رغم إقرار الحكومة نفسها بأن إتاحة هذه البيانات تساعد في مكافحة الجرائم الاقتصادية. وبينما رحبت أوساط الأعمال بتخفيف الأعباء الإدارية، حذر خبراء، في تصريحات خاصة لـ”العربي الجديد”، من مخاطر استغلال الشركات الصغيرة في الاحتيال والتهرب الضريبي، فيما دعا القطاع المصرفي إلى الموازنة بين تخفيف المتطلبات التنظيمية والحفاظ على المعلومات اللازمة للإقراض ومكافحة الجرائم المالية.

وقررت الحكومة، الجمعة 23 أكتوبر/تشرين الأول، تعليق تطبيق شرط كان مقرراً دخوله حيز التنفيذ في إبريل/نيسان 2028، لإلزام الشركات الصغيرة ومتناهية الصغر بإيداع قوائم الأرباح والخسائر لدى الهيئة، في خطوة تتراجع عن موقف أعلنته قبل أربعة أشهر.

ويقول الباحث في السياسات المقارنة والشؤون القانونية لدى “شبكة العدالة الضريبية” (Tax Justice Network)، غونزالو فيلانويفا، في تصريح خاص لـ”العربي الجديد”، إن القرار “ليس مجرد خطوة إلى الوراء في مجال الشفافية، بل تراجع عن قرار اتخذته الحكومة نفسها”. ويوضح أن حجم الشركة لا يعكس بالضرورة مستوى المخاطر المالية المرتبطة بها، محذّراً من أن تخفيف متطلبات الإيداع قد يزيد فرص استخدام الشركات الصغيرة ضمن هياكل مؤسسية معقدة للتهرب الضريبي وأنشطة غير مشروعة، بما يشمل إخفاء الأصول والتعتيم على هوية الأشخاص الذين يقفون وراءها.

تراجع عن تعهد سابق

في التاسع من يونيو/حزيران الماضي، أعلنت الحكومة أن الشركات الصغيرة ومتناهية الصغر ستصبح ملزمة بتقديم قوائم الأرباح والخسائر إلى هيئة تسجيل الشركات، مع إمكانية حجبها عن الجمهور لحماية المعلومات التجارية الحساسة. وأكدت حينها أن الهيئة وأجهزة إنفاذ القانون ومصلحة الضرائب ستحتفظ بإمكانية الاطلاع عليها لمكافحة الاحتيال والجرائم الاقتصادية والتهرب الضريبي. لكن قرار أكتوبر علّق الإلزام بالإيداع نفسه، مع استمرار السماح للشركات المؤهلة بتقديم حسابات مختصرة وعدم تضمين قوائم الأرباح والخسائر في الملفات المتاحة للجمهور.

وجاء القرار ضمن حزمة حكومية لتقليص التكاليف الإدارية والجمركية على الشركات، تتوقع الحكومة أن تحقق وفورات سنوية تقارب 800 مليون جنيه إسترليني، بينها ما يصل إلى 290 مليون جنيه من تبسيط متطلبات تقارير الشركات عموماً، من دون تحديد الوفورات الناتجة عن تعليق الإيداع وحده.
واللافت أن الحكومة أقرت، في ردها الرسمي على توصيات فريق مراجعة الأعباء التنظيمية المنشور في أكتوبر، بأن حصول هيئة تسجيل الشركات على قوائم الأرباح والخسائر لجميع الشركات له “قيمة كبيرة جداً”، لأنه يدعم مكافحة الجرائم الاقتصادية من خلال تعزيز الشفافية. لكنها بررت تعليق الإجراء بالحاجة إلى تجنب ازدواجية تقديم المعلومات إلى الهيئة ومصلحة الضرائب والجمارك البريطانية (HMRC).

الشركات الصورية والملكية المستفيدة

ويشرح مدير المعرفة الاستراتيجية في مؤسسة “أوبن أونرشيب” (Open Ownership)، تيمون كيبي، في تعليق خاص لـ”العربي الجديد”، جانباً آخر من أهمية هذه البيانات، قائلاً إن حسابات الأرباح والخسائر “قد تساعد على تحديد ما إذا كانت الشركة مجرد كيان غير تشغيلي أم أنها تمارس نشاطاً تجارياً فعلياً”.

ويضيف أن “الشركات غير التشغيلية قد تُستخدم لإخفاء المالكين النهائيين لشركات أو أصول أخرى، وهو ما تسعى بيانات الملكية المستفيدة إلى الكشف عنه”. وفي ما يتعلق بإمكان الاستعاضة عن الإيداع لدى هيئة تسجيل الشركات بآليات أخرى، يشير كيبي إلى أن الشركات تقدم هذه المعلومات بالفعل إلى مصلحة الضرائب البريطانية، معتبراً أنه “من الممكن إيجاد وسائل أخرى لتحقيق الغرض نفسه بدلاً من تكرار إيداعها لدى سجل الشركات”.

دروس الاحتيال في قروض كوفيد

ويحذر رئيس قسم الاعتماد في مؤسسة “فير تاكس فاونديشن” (Fair Tax Foundation)، جايمي بوسويل، في تصريح خاص لـ”العربي الجديد”، من أن تعليق الإيداع سيحدّ من المعلومات التي تساعد على كشف التناقضات بين طبيعة النشاط الذي تعلنه الشركات وحجم تعاملاتها الفعلي. ويقول إن ذلك “سيجعل التدقيق أكثر صعوبة بالنسبة إلى سجل الشركات وأجهزة إنفاذ القانون والصحافيين والموردين والعملاء”، معتبراً أن النتيجة ستكون “تراجع مستوى الشفافية أمام الجميع، وتهيئة بيئة أكثر ملاءمة لمن يمارسون أنشطة غير نزيهة”.

ويستشهد بوسويل بتجربة برنامج قروض “باونس باك” (Bounce Back Loans)، الذي أطلقته بريطانيا لدعم الشركات خلال جائحة كورونا، واعتمد بدرجة كبيرة على إقرارات المقترضين الذاتية بشأن حجم أعمالهم. وبحسب أحدث بيانات حكومية منشورة، والصادرة في سبتمبر/أيلول 2026 بشأن وضع القروض حتى نهاية يونيو/حزيران، صنّف المقرضون قروضاً بقيمة 1.88 مليار جنيه باعتبارها حالات احتيال مشتبه بها، من إجمالي 46.47 مليار جنيه صُرفت ضمن البرنامج. ولا تعني هذه الأرقام ثبوت الاحتيال في جميع الحالات المشتبه بها.

وكان المفوض المستقل لمكافحة احتيال كوفيد، توم هايهو، قد خلص في تقريره الصادر في ديسمبر/كانون الأول 2025 إلى أن غياب المعلومات المالية الكافية صعّب التحقق من حجم مبيعات الشركات المتقدمة للحصول على القروض وأعاق التدقيق في الشؤون المالية لبعض موردي معدات الوقاية. وأوصى بمواصلة إصلاحات قانون الجرائم الاقتصادية وشفافية الشركات لعام 2023، بما يشمل نشر قوائم الأرباح والخسائر.

وقبلت الحكومة التوصية جزئياً في يونيو/حزيران الماضي، مع التمسك بالإيداع الإلزامي والسماح بعدم النشر، قبل أن تعلّق تنفيذ هذا الإجراء في أكتوبر/تشرين الأول. ويشير بوسويل إلى مخاطر أخرى تتصل بممارسات تُعرف باسم “فينيكسينغ” (Phoenixing)، وهي إعادة تشغيل نشاط تجاري عبر شركة جديدة بعد حلّ شركة سابقة. ورغم أن هذه الممارسة ليست مخالفة بحد ذاتها، فقد تُستخدم للتهرب من الدائنين والالتزامات المالية، فيما قد تساعد الحسابات التفصيلية على كشف التعثر المالي وتحركات الأصول غير المبررة.

المصارف تطالب بالتوازن

وفي تعليق خاص لـ”العربي الجديد”، يؤكد متحدث باسم مؤسسة “يو كيه فاينانس” (UK Finance)، الممثلة للقطاع المصرفي والمالي البريطاني، أن حسابات الشركات المودعة لدى هيئة تسجيل الشركات توفر للمقرضين “نقطة انطلاق موثوقة ومتاحة للجمهور لتكوين صورة أولية عن الوضع المالي للمقترض”، موضحاً أن البنوك تستكملها عادة بمعلومات أحدث أو أكثر تفصيلاً تحصل عليها مباشرة من العملاء. ويضيف: “نؤيد هدف الحكومة المتمثل في تخفيف أعباء تقديم التقارير على الشركات الصغيرة، لكن تنبغي موازنة ذلك مع قيمة المعلومات المالية الإضافية في تسهيل الحصول على التمويل ومكافحة الجرائم الاقتصادية”.

وفي المقابل، رحب اتحاد الشركات الصغيرة البريطاني (FSB) بالقرار. واعتبرت رئيسته الوطنية، تينا ماكنزي، في تصريح منشور ضمن الإعلان الحكومي، أن تعليق متطلبات إيداع قوائم الأرباح والخسائر يمثل “خطوة كبيرة في الاتجاه الصحيح”، لأنه يجنب الشركات الأصغر أعباء تنظيمية إضافية. وكانت ماكنزي قد شاركت في رئاسة فريق العمل الحكومي الذي أوصى بالعدول عن الإلزام الجديد، فيما أشاد معهد المحاسبين القانونيين في إنكلترا وويلز (ICAEW)، المشارك أيضاً في الفريق، بالتوجه نحو تقليل ازدواجية التقارير.

بديل لم يتحدد موعده

ورغم اختلاف المواقف، يلتقي منتقدو القرار ومؤيدو تخفيف الأعباء عند مبدأ تجنب تكرار تقديم البيانات. إذ يرى فيلانويفا أن الشركات الصغيرة تتمتع أصلاً بتسهيلات محاسبية وتدقيقية، وأن الحل الأفضل هو ربط أنظمة مصلحة الضرائب وهيئة تسجيل الشركات بدلاً من تعليق متطلبات الإيداع.
ويتفق بوسويل معه، داعياً إلى نظام رقمي موحّد يستفيد من المعلومات المعدّة بالفعل للأغراض الضريبية، ومشدداً على أن المسؤولية المحدودة التي تتمتع بها الشركات المسجلة امتياز قانوني، وأن “الشفافية يجب أن تكون الثمن المقابل لهذا الامتياز”.

وفي بيان برلماني أُدرج في 26 أكتوبر/تشرين الأول، أكدت الحكومة أنها ستبحث تطوير نظام يتيح للشركات تقديم معلوماتها مرة واحدة، مع إمكان إعداد خريطة طريق بعد مراجعة الإنفاق المقبلة، رهناً بقرارات التمويل. وتؤكد الحكومة استمرار التزامها بمكافحة الجرائم الاقتصادية، وأن إصلاحات أخرى ستدخل حيز التنفيذ في إبريل/نيسان 2028، أبرزها إلزام جميع الشركات بتقديم حساباتها إلكترونياً باستخدام برمجيات تجارية، وتشديد شروط الاستفادة من الإعفاء من التدقيق المالي.

لكن تعليق الإيداع الإلزامي، مع بقاء البديل المقترح قيد الدراسة، يترك سؤالاً مفتوحاً بشأن قدرة بريطانيا على تقليص الأعباء على الشركات الصغيرة، من دون إضعاف أدوات الرقابة التي سبق للحكومة نفسها أن اعتبرتها ضرورية لمكافحة الاحتيال والتهرب الضريبي.

زر الذهاب إلى الأعلى