كيف انتقلت تداعيات حرب إيران من الطاقة إلى العقارات؟

امتدت تداعيات الحرب على إيران إلى قطاع العقارات في العالم عبر قنوات أكثر تعقيدا، في مقدمتها ارتفاع أسعار الطاقة، وتشدد شروط التمويل، واتساع علاوات المخاطر، وتباطؤ قرارات الاستثمار طويلة الأجل.
وتظهر التقديرات الصادرة عن مؤسسات استثمارية وتصنيف ائتماني أن الأثر الأهم على العقار يأتي من انعكاس الصدمة الجيوسياسية على التضخم وأسعار الفائدة والائتمان والسيولة.
وفي هذا السياق، ترى شركة “لاسال لإدارة الاستثمارات” -وهي شركة عالمية تعمل في 13 دولة عبر العالم- أن القناة الرئيسية لانتقال الحرب إلى العقارات تمر عبر أسواق الطاقة، لأن أي اضطراب في الإمدادات يرفع التضخم ويؤخر خفض الفائدة ويزيد العائد المطلوب على الأصول طويلة الأجل، وهو ما يضغط على التقييمات العقارية والصفقات الممولة بالدين.
وتقدر الشركة، نقلا عن شركة “كابيتال إيكونوميكس”، أن زيادة أسعار النفط بنسبة 10% إلى 15% تضيف نحو 0.2 إلى 0.3 نقطة مئوية إلى التضخم في الاقتصادات المتقدمة، بما يعني أن القطاع العقاري يواجه صدمة غير مباشرة لكن واسعة الانتشار.
صدمة النفط والفائدة
وتكمن حساسية العقارات لهذه الحرب في أن القطاع يعتمد بدرجة كبيرة على كلفة الاقتراض، سواء بالنسبة إلى المشترين الأفراد أو المطورين أو الصناديق العقارية. ففي الولايات المتحدة، أظهرت بيانات فريدي ماك (المؤسسة الفدرالية للرهن العقاري السكني) أن متوسط فائدة الرهن العقاري الثابت لثلاثين عاما بلغ 6.30% في 16 أبريل/نيسان 2026، بعد أن كان قد هبط إلى 5.98% في 26 فبراير/شباط، قبل أن تعود التقلبات الجيوسياسية لرفع العوائد ثم تدفعها إلى التذبذب مجددا.
كما تراجعت مبيعات المنازل القائمة في مارس/آذار بنسبة 3.6% على أساس شهري، في إشارة إلى أن الطلب على السكن لا يزال حساسا لأي ارتفاع في التمويل أو تراجع في ثقة المستهلك.
وتؤكد بيانات موقع “ريلتور دوت كوم” (أبرز مواقع العقارات في الولايات المتحدة) أن السوق الأمريكية كانت تتجه بالأساس إلى توازن أبطأ قبل الحرب، مع ارتفاع المخزون النشط من المنازل المعروضة للبيع بنسبة 8.1% على أساس سنوي في مارس/آذار، وتراجع السعر الوسيط للقوائم السكنية بنسبة 2.2%، بما يعكس تباطؤا في الزخم السعري.
لكن أي موجة جديدة من ارتفاع النفط أو العوائد قد تؤخر هذا التوازن، لأن أثرها لا يقتصر على الرهن العقاري، بل يمتد إلى تكاليف المعيشة والطاقة والتأمين، وهي عناصر تضغط مباشرة على قدرة الأسر على الشراء.
ومن زاوية أوسع، لا تبدو الولايات المتحدة في مركز الهشاشة نفسه الذي تواجهه أوروبا أو آسيا، بحكم كونها منتجا كبيرا للطاقة، لكن ذلك لا يلغي أثر الحرب على العقارات الأمريكية. فشركة “جونز لانغ لاسال” أشارت، على لسان رئيسها التنفيذي كريستيان أولبريش، إلى أن الحرب تغذي عدم اليقين في الاستثمار وتؤثر في قرارات توقيع الإيجارات والالتزامات طويلة الأجل، لأن المستثمر العقاري يحتاج إلى قدر أعلى من وضوح الرؤية قبل ضخ الأموال في مشاريع تتطلب سنوات حتى تنضج.
تفاوت جغرافي
أما خارج الولايات المتحدة، فتبدو الفوارق أوضح. إذ تشير شركة “لاسال لإدارة الاستثمارات” إلى أن أوروبا وآسيا أكثر تعرضا لصدمة الطاقة بسبب اعتمادها الأكبر على الواردات، في حين توضح بيانات وكالة الطاقة الدولية أن الجزء الأكبر من النفط العابر لمضيق هرمز يتجه إلى آسيا، وأن اليابان وكوريا الجنوبية من بين أكثر الاقتصادات اعتمادا على هذا المسار.
وتقدر الوكالة أن نحو 15 مليون برميل يوميا من الخام، أي نحو 34% من تجارة الخام العالمية، مر عبر المضيق في 2025، بينما تذهب حصة محدودة فقط إلى أوروبا مقارنة بآسيا. وهذا يعني أن أي اضطراب مطول يرفع كلفة الطاقة في الاقتصادات المستوردة، ويضغط على دخل الأسر وهوامش الشركات، ومن ثم على الطلب العقاري السكني والتجاري.
وفي آسيا تحديدا، تتخذ المخاطر بعدا مضاعفا، لأن الحرب لا ترفع فقط فاتورة الواردات، بل تهدد كذلك سلاسل التوريد والنشاط الصناعي، وهو ما ينعكس على العقارات الصناعية واللوجستية والمكتبية، وليس على السكن وحده.
كما أن الاقتصادات الأكثر اعتمادا على خام الشرق الأوسط قد تجد نفسها أمام ضغوط تضخمية جديدة تؤخر التيسير النقدي، وتطيل فترة الفائدة المرتفعة، وهو ما يضغط على التقييمات العقارية ويؤجل الصفقات الكبرى.
وفي أوروبا، بدأت الحرب تضغط على الثقة الاقتصادية الأوسع، إذ هبط مؤشر “زد إي دبليو” لثقة المستثمرين في ألمانيا في أبريل/نيسان إلى أدنى مستوى له في أكثر من ثلاث سنوات، مع تصاعد المخاوف من نقص الطاقة وارتفاع كلف الإنتاج.
ورغم أن هذا المؤشر لا يقيس العقار مباشرة، فإنه مهم لأن تراجع الثقة وتزايد المخاطر الصناعية والمالية ينتقل عادة إلى قرارات الاستثمار العقاري، خصوصا في القطاعات التجارية والمكتبية واللوجستية المرتبطة بدورة الأعمال.
اختبار الثقة
عربيا يختلف المشهد، إذ لا تأتي المخاطر في دول الخليج من ارتفاع الطاقة، لأن الدول المنتجة قد تستفيد ماليا من صعود الأسعار، بل من إعادة تقييم المستثمرين لمفهوم “الملاذ الآمن” في المنطقة. وقد وصفت رويترز السوق العقارية الإماراتية بأنها تواجه أول اختبار حقيقي بعد سنوات من الطفرة، مع تزايد القلق من اعتماد دبي وأبوظبي على التدفقات الرأسمالية الخارجية في دعم نشاط التطوير العقاري.
كما حذر تقرير وكالة فيتش من أن التمويل العقاري التجاري قد يصبح المصدر الأبرز لتدهور جودة الأصول لدى البنوك الإماراتية في السيناريو السلبي، مشيرا إلى أن العقار التجاري شكل 13% من إجمالي القروض بنهاية 2025، مع تركزات أعلى لدى بعض البنوك.
وتذهب فيتش إلى أن تباطؤ النشاط الاقتصادي، وتراجع السياحة، وضعف نمو السكان، قد يفرض ضغوطا على العقارات السكنية والتجارية في الإمارات، فوق التصحيح السعري الذي كانت تتوقعه الوكالة قبل الحرب، كما ترى أن انخفاض أحجام الأعمال وارتفاع المخصصات وتآكل بعض هوامش رأس المال قد يحول العقار من محرك للنمو إلى نقطة ضغط على ميزانيات البنوك، إذا طال أمد الصراع أو اتسعت آثاره الإقليمية.
وفي مقابل هذا المسار الضاغط، لا تعني الحرب بالضرورة انهيارا عقاريا عاما، إذ ترى شركة “لاسال” أن العقار، مقارنة ببعض الأصول المالية الاسمية، كونه يمتلك القدرة على تعويض ارتفاع الأسعار من خلال زيادة الإيرادات، سواء عبر عقود الإيجار أو عبر ارتفاع كلفة الإحلال، بما يساعد على حماية العائد الحقيقي بمرور الوقت. لكنها تشدد في الوقت نفسه على أن ذلك لا يلغي ضرورة اختبار المحافظ العقارية على سيناريوهات أعلى للفائدة وأوسع لعلاوات المخاطر وأطول زمنا لاضطراب الطاقة.
تداعيات متفاوتة
وفي حديث للجزيرة نت، يرى أستاذ الاقتصاد والعلاقات الدولية كميل الساري، أن تداعيات الحرب على العقارات العالمية ستكون متفاوتة من منطقة إلى أخرى، لأن العلاقة الأساسية تمر عبر الفائدة والطاقة والنمو.
ويشير إلى أن أوروبا والولايات المتحدة تواجهان معضلة واضحة تتمثل في أن ارتفاع أسعار الطاقة يرفع التضخم ويضعف فرص خفض الفائدة، مما يزيد كلفة التمويل العقاري ويضغط على الطلب.
وفي الدول العربية غير النفطية، يظهر الأثر من خلال تدهور القدرة الشرائية وتفاقم أعباء الموازنات والمديونية، وهو ما ينعكس سلبا على شراء المساكن والاستثمار العقاري.
ويضيف الساري أن دول الخليج تواجه نوعا مختلفا من المخاطر، لا يرتبط فقط بالفائدة أو أسعار الطاقة، بل بثقة المستثمرين الأجانب وإمكانية إحجام بعضهم عن ضخ أموال جديدة أو حتى إعادة توجيه استثماراتهم مؤقتا إلى وجهات أقل توترا.
وبرأيه، فإن هذا الضغط قد يكون أشد وضوحا في الإمارات بحكم الوزن الكبير لرأس المال الأجنبي في سوقها العقارية، لكنه يظل أثرا ظرفيا وليس بالضرورة مسارا دائما، لأن عودة الاستقرار السياسي والأمني قد تعيد التدفقات من جديد.
كما يربط الساري بين العقار الآسيوي والحرب عبر قناة النمو العالمي، موضحا أن الاقتصادات الآسيوية، حتى لو امتلك بعضها مخزونات نفطية أو هوامش مالية، تبقى معرضة لتباطؤ أوسع إذا استمرت صدمة الطاقة واختنقت التجارة وارتفعت تكاليف الإنتاج والنقل. وهذا من شأنه أن يفاقم الضغوط على الطلب العقاري، خاصة في الأسواق التي تعاني أصلا من هشاشة في القطاع العقاري أو من تباطؤ في التصدير والنشاط الصناعي.




