بيتكوين دون 80 ألف دولار.. وحلم تريليونات العملات المستقرة يتعثر

ستوك نيوز – لم تكد بيتكوين تستعيد عافيتها فوق مستوى 80 ألف دولار حتى أعاد تقرير وظائف أميركي أقوى من المتوقع رسم خريطة المخاطر أمام سوق العملات المشفرة، في وقت يواجه فيه رهان إدارة الرئيس دونالد ترامب على العملات المستقرة باعتبارها مصدراً مستقبلياً ضخماً للطلب على الدين الأميركي أول اختبار حقيقي.
وبحسب بلومبيرغ، هبطت بيتكوين بنحو 2.8% إلى 79,197 دولاراً بعد بيانات أظهرت إضافة الاقتصاد الأميركي 162 ألف وظيفة في أغسطس/آب، متجاوزاً جميع تقديرات المحللين، مع استقرار البطالة عند 4.1%. وأدت البيانات إلى تعزيز رهانات الأسواق على رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة في سبتمبر/أيلول، فارتفعت عوائد سندات الخزانة لأجل عامين وصعد الدولار، في حين تعرضت الأصول الأكثر مخاطرة، وفي مقدمتها العملات المشفرة، لضغوط جديدة.
لكن التراجع لا يقتصر على بيتكوين. فالسوق التي كانت تراهن على العملات المستقرة جسراً بين عالم العملات المشفرة والنظام المالي التقليدي تواجه تباطؤاً لافتاً في النمو، ما يهدد بتأجيل أحد الرهانات التي عوّل عليها وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت لتوسيع قاعدة المشترين المحتملين لسندات الحكومة الأميركية. والعملات المستقرة، وعلى رأسها USDT التابعة لشركة تيثر وUSDC التابعة لشركة سيركل، مصممة للحفاظ على قيمة مرتبطة بالدولار، وتستند احتياطاتها إلى أصول سائلة تشمل أذون الخزانة الأميركية قصيرة الأجل. ويستخدمها متداولو العملات المشفرة على نطاق واسع أداةً للاحتفاظ بالأموال في أثناء الانتقال بين المراكز الاستثمارية.
وهنا تكمن أهميتها بالنسبة إلى واشنطن. فكلما توسع حجم العملات المستقرة، احتاجت الجهات المصدرة لها إلى مزيد من الأصول الاحتياطية، ومنها أذون الخزانة، ما يعني تدفقاً إضافياً محتملاً إلى سوق الدين الأميركي. وكان بيسنت قد توقع العام الماضي أن ينمو سوق العملات المستقرة عشرة أضعاف إلى نحو 3 تريليونات دولار بحلول نهاية العقد، ما قد يحول هذه الصناعة إلى مشترٍ هائل للدين الحكومي الأميركي، خصوصاً أن نحو 7 تريليونات دولار من أذون الخزانة قصيرة الأجل قائمة حالياً.
لكن الأرقام الأخيرة لا تسير بالسرعة التي حلمت بها إدارة ترامب. فقد انخفضت القيمة المتداولة من عملة تيثر المستقرة USDT بنحو 3 مليارات دولار إلى قرابة 184 مليار دولار خلال النصف الأول من العام، لتصبح على مسار تسجيل أول انكماش سنوي لها منذ انهيار سوق العملات المشفرة في 2022. كما تراجعت قيمة USDC بنحو مماثل إلى حوالي 72 مليار دولار. وتملك تيثر وسيركل بالفعل كميات ضخمة من الأصول المرتبطة بالدين الأميركي. وتفيد بيانات نقلتها بلومبيرغ بأن تيثر لديها نحو 134 مليار دولار من سندات الخزانة واتفاقات إعادة شراء مضمونة بالدين الحكومي الأميركي، بينما تبلغ حيازات سيركل نحو 63 مليار دولار.
لكن تباطؤ نمو العملات المستقرة يعني أن هذا المصدر من الطلب على سندات الخزانة لن يقدم، على الأرجح، دعماً كبيراً للسوق في المدى القريب، في وقت تحتاج فيه وزارة الخزانة بشدة إلى مستثمرين جدد، مع ارتفاع الدين الأميركي وتزايد تكلفة الاقتراض وتنامي المخاوف بشأن التضخم. وتزداد حساسية هذا الوضع مع صعود عوائد السندات بعد بيانات الوظائف القوية. فوزارة الخزانة تحاول كبح ارتفاع العوائد طويلة الأجل عبر زيادة عمليات إعادة شراء السندات والاعتماد بصورة أكبر على إصدار أذون الخزانة قصيرة الأجل، وهي الأدوات التي تفضلها الجهات المصدرة للعملات المستقرة.
لكن سوق العملات المشفرة نفسه يمر بمرحلة أقل نشاطاً مما كانت عليه في ذروة المضاربات. ويشير محللون إلى أن تراجع أرصدة USDT على منصات التداول وخروج الأموال من شبكات مرتبطة بنشاط تداول إيثريوم ساهما في تقليص المعروض من العملات المستقرة. وهذا يفسر أيضاً حساسية بيتكوين تجاه بيانات الاقتصاد الأميركي. فعندما تتراجع عوائد السندات ويضعف الدولار، تصبح الأصول عالية المخاطر أكثر جاذبية، كما حدث عندما استعادت بيتكوين مستوى 80 ألف دولار. لكن بمجرد عودة رهانات رفع الفائدة، انقلب المشهد سريعاً.
وقال فابيان دوري، كبير مسؤولي الاستثمار في بنك Sygnum، وفق بلومبيرغ، إن قوة بيانات الوظائف لا تحسم الجدل بشأن السياسة النقدية، لكنها تمنح “الصقور” في الفيدرالي سلاحاً إضافياً، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن عوامل أخرى، مثل أرصدة وزارة الخزانة النقدية وقدرة ميزانيات البنوك على الاستيعاب والائتمان الخاص والمعروض من العملات المستقرة، تظل مؤثرة بصورة مستقلة عن قرارات الفائدة قصيرة الأجل.
ورغم ذلك، لا يعني تباطؤ العملات المستقرة أن الرهان الأميركي عليها قد انهار. فالقطاع يحاول الانتقال تدريجياً من المضاربة على العملات المشفرة إلى الاستخدامات اليومية، وفي مقدمتها المدفوعات والتحويلات العابرة للحدود. وفي يوليو/تموز، تجاوزت المدفوعات بالبطاقات القائمة على العملات المستقرة مليار دولار لأول مرة، بينما قدرت دراسة لماكينزي حجم المدفوعات السنوية القائمة على العملات المستقرة بنحو 390 مليار دولار، معظمها في معاملات بين الشركات.
لكن هذا التحول ربما لا يترجم سريعاً إلى زيادة في الطلب على أذون الخزانة. فانتقال العملة المستقرة من مستخدم إلى آخر لا يتطلب بالضرورة إصدار عملة جديدة من الجهة المصدرة، وبالتالي لا يؤدي كل ارتفاع في حجم المدفوعات إلى زيادة مماثلة في الاحتياطيات. وهنا تظهر المفارقة: واشنطن تريد أن تجعل العملات المستقرة ماكينة جديدة لشراء ديونها، بينما يتحول القطاع نفسه من المضاربة إلى المدفوعات. أما بيتكوين، فقد وجدت نفسها مرة أخرى في قلب المعادلة النقدية الأميركية. فمستوى 80 ألف دولار لم يعد مجرد حاجز نفسي للسوق، بل بات اختباراً مباشراً لمدى قدرة العملة المشفرة على الصمود أمام ارتفاع العوائد واحتمالات تشدد الفيدرالي.




