ماذا يريد الأردن اقتصادياً من الصين؟

ستوك نيوز – تدخل العلاقات بين الأردن والصين مرحلة جديدة تتجاوز التنسيق السياسي التقليدي نحو توسيع الشراكة الاقتصادية الشاملة، عقب “زيارة الدولة” التي أجراها العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني إلى الصين. وتوجت الزيارة بمباحثات رسمية بين الملك عبد الله الثاني والرئيس الصيني شي جين بينغ وكبار المسؤولين، فضلًا عن توقيع حزمة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، وإصدار بيان مشترك يعكس مساعي البلدين لتوسيع مجالات التعاون.
وتفتح مخرجات الزيارة أمام الأردن آفاقًا لتعزيز الاستفادة من القدرات الصينية في مجالات التكنولوجيا والطاقة والصناعة والبنية التحتية، إلى جانب ترسيخ موقع المملكة ضمن مبادرة “الحزام والطريق”. وتعد مبادرة “الحزام والطريق” مشروعًا استراتيجيًا وتنمويًا ضخمًا أطلقته الصين عام 2013، بهدف تعزيز الترابط والتكامل الاقتصادي والتجاري بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.
جولة اقتصادية
وخلال الزيارة، شملت جولة الملك عبد الله الثاني مدنًا صينية تكنولوجية وصناعية كبرى، بينها شنغهاي وشِنْجِن، حيث زار شركات رائدة في تصنيع الروبوتات والذكاء الاصطناعي، ودعا إلى بناء شراكات مع المؤسسات والجامعات الأردنية. كما عقد اجتماعات مع رؤساء تنفيذيين لكبرى الشركات الصينية في قطاعات الدواء والأغذية والهندسة والطيران.
وفي مقر مجموعة “تريب.كوم”، اطلع العاهل الأردني على سبل تعزيز التسويق السياحي الذكي وزيادة تدفق السياح الصينيين إلى المملكة. وفي بكين، التقى رئيس مجلس الدولة الصيني لي تشيانغ، ورئيس اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب تشاو لجي، ومسؤولي لجنة إدارة الأصول المملوكة للدولة، وبحث معهم نقل الخبرات في حوكمة الشركات الحكومية وإدارتها.
وشهد الملك عبد الله الثاني والرئيس شي توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم في مجالات عدة، بينها التعاون القانوني والقضائي والتجارة الإلكترونية والاقتصاد الرقمي. كما تم توقيع اتفاقية تعاون تنموي توفر منحة صينية بقيمة 14.7 مليون دولار للمساعدات الإنسانية والتنمية، إلى جانب تقديم 800 فرصة تدريبية للحكومة الأردنية.
وشملت مذكرات التفاهم الطيران المدني بهدف تطوير العمل على “طريق الحرير” وتعزيز الربط الجوي، فضلًا عن الصناعة وسلاسل التوريد والتبادل الأكاديمي والترويج السياحي والإعلامي. كما وقعت الملكية الأردنية والخطوط الجوية الصينية مذكرة تفاهم لتوسيع التعاون التشغيلي والعمل على إطلاق خطوط جديدة. وعلى هامش الزيارة، وقع الجانبان مذكرات إضافية في مجالات الحجر الصحي البيطري والزراعي والتعدين والطاقة والبيئة والتغير المناخي والعلوم والتكنولوجيا. وشملت التفاهمات أيضًا شراكات إعلامية بين وكالة الأنباء الأردنية “بترا” والتلفزيون الأردني، وكل من وكالة “شينخوا” ومجموعة الإعلام الصينية.
استثمارات صينية صناعية
ويبرز جذب الاستثمارات الصينية بوصفه أحد المسارات التي يسعى الأردن إلى تعزيزها عقب الزيارة الملكية. وقال مدير عام شركة المدن الصناعية الأردنية عدي عبيدات لوكالة الأناضول إن المدن الصناعية في المملكة تحتضن حاليًا نحو ألف شركة باستثمارات تتجاوز 3 مليارات دينار أردني، وتوفر أكثر من 65 ألف فرصة عمل.
وأوضح أن المدن الصناعية تستضيف استثمارين صينيين بحجم يتجاوز 30 مليون دينار، وفرا أكثر من 4 آلاف فرصة عمل. وأكد وجود خطط لزيادة الاستثمارات الصينية بناءً على نتائج زيارة الملك إلى الصين. وأشار عبيدات إلى تقديم حزمة حوافز وتخفيضات على أسعار الأراضي والمباني تصل إلى أكثر من 70% في “مدينة الزرقاء الصناعية”، بهدف جذب صناعات في مجالات الإلكترونيات وأشباه الموصلات والسيارات الكهربائية.
الأردن مركز إقليمي
وحول موقع الأردن ضمن “الحزام والطريق”، شدد عبيدات على أن الأردن يمثل خيارًا استراتيجيًا وملاذًا آمنًا للاستثمارات الراغبة في النفاذ إلى أسواق الخليج والشرق الأوسط وأوروبا عبر ميناء العقبة. وكشف عن تواصل قائم مع جهات صينية لاستقطاب صناعات السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة والتكنولوجيا. ولفت إلى التحضير لجولة ترويجية في الصين قبل نهاية العام، للالتقاء بشركات مهتمة بالاستثمار وتخصيص مساحات لها في المدن الصناعية. ومن الناحية الجيوسياسية، تأتي الزيارة في ظل تحولات حادة بالمنطقة وتداعيات إغلاق الممرات البحرية، ومنها مضيق هرمز.
وفي هذا السياق، أوضح المحلل السياسي عبد الحكيم القرالة أن الأردن ينطلق من سياسة خارجية مرنة تقودها رؤية الملك القائمة على تنويع الشراكات الدولية دون الانخراط في الاستقطابات. وأشار القرالة، في حديثه لوكالة الأناضول، إلى أن التقارب مع الصين لا يعني التخلي عن العلاقات الاستراتيجية مع الغرب والولايات المتحدة، بل يستهدف خدمة المصالح العليا ومواجهة تحديات المياه والطاقة واقتصاد المستقبل. واعتبر أن البيان المشترك عكس توافقًا بشأن الوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس، ودعم “حل الدولتين”، ووقف إطلاق النار في غزة، وإيصال المساعدات عبر الممر البري الأردني، إضافة إلى ضمان الملاحة في مضيق هرمز.
أبعاد اقتصادية
من جانبه، أكد وزير الاتصال الحكومي الناطق الرسمي باسم الحكومة الأردنية محمد المومني أن الزيارة جاءت في إطار فتح آفاق وجلب استثمارات للقطاعات الاقتصادية الأردنية الواعدة، لا سيما في مجالات السياحة، والتصنيع الغذائي، والصناعات الدوائية والهندسية، والتكنولوجيا. وأوضح المومني، في حديثه مع الوكالة، أن موقع الأردن وقدراته تجعله مركز ربط إقليميًا للعديد من القطاعات، وبوابة مركزية لسلاسل التوريد والخدمات اللوجستية واقتصاد المستقبل في الشرق الأوسط.
وشدد المومني على أن “تنويع الشراكات الاستراتيجية مع القوى الدولية الفاعلة كالصين وغيرها يعزز قدرات القطاعات الاقتصادية ويدعم منعة الاقتصاد الأردني”. وأكد أن الاستقرار والأمن اللذين تتمتع بهما المملكة يشكلان أصولًا استراتيجية وجيوسياسية تجعل منها الشريك الأكثر موثوقية للمجتمع الدولي في تنفيذ المشاريع وإعادة الإعمار في المنطقة.
وفي السياق التنفيذي، تتجه جهود المؤسسات المعنية في كلا البلدين نحو وضع مذكرات التفاهم الموقعة موضع التنفيذ الميداني، من خلال تسريع الإجراءات وتسهيل آليات التمويل وضمان انسيابية الخطط الاستثمارية، بما يتيح تحويلها إلى مشاريع عملية على الأرض. وتسعى عمّان وبكين، استنادًا إلى الإرادة السياسية المشتركة والتحضيرات الجارية للاحتفاء بالذكرى الخمسين لتأسيس العلاقات الدبلوماسية عام 2027، إلى ترسيخ هذه الشراكة الاستراتيجية ومواصلة البناء عليها، بما يعزز مكاسب الطرفين، ويصقل مكانة المملكة مركزاً إقليمياً محورياً للتصنيع والخدمات اللوجستية.
(الأناضول)




