تكنولوجيا

هل ينجح “ميوز” في تجاوز أزمة الثقة التي تواجه “ميتا”؟

ستوك نيوز –  تسعى شركة ميتا إلى توسيع حضور الذكاء الاصطناعي في حياة المستخدمين اليومية، مع إطلاق وكيلها الجديد “ميوز” الذي تصفه الشركة بأنه وكيل شخصي قادر على تنفيذ مجموعة من المهام نيابة عن المستخدم، في خطوة تعكس رهان الشركة على تطبيقات الذكاء الاصطناعي الموجهة للمستهلكين، بالتزامن مع تركيز شركات منافسة مثل “OpenAI” و”أنثروبيك” بصورة أكبر على سوق الشركات والأدوات المخصصة للأعمال.

وسلط حدث Meta Connect السنوي الضوء على استراتيجية الشركة الجديدة، إذ استحوذت إعلانات الذكاء الاصطناعي، وعلى رأسها “ميوز”، على جانب كبير من الاهتمام خلال الحدث، في الوقت الذي شهد فيه قطاع الذكاء الاصطناعي إطلاق نماذج جديدة من شركات منافسة.

وناقش بودكاست TechCrunch Equity توجه “ميتا” الجديد، مشيرًا إلى أن الشركة تتحرك في اتجاه مختلف نسبيًا عن شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى التي تركز بشكل متزايد على البرمجة وحلول المؤسسات.

ويرى محللون أن تركيز “ميتا” على المستهلكين قد يتوافق مع نقاط قوتها التاريخية، في ظل امتلاكها مجموعة ضخمة من الخدمات والمنصات التي يستخدمها مليارات الأشخاص يوميًا، مثل “فيسبوك” و”إنستغرام” و “واتساب”.

“ميتا” تراهن على المستهلكين

يأتي إطلاق “ميوز” في وقت تتجه فيه شركات مثل “OpenAI” و”أنثروبيك” بصورة متزايدة إلى سوق المؤسسات، باعتباره أحد أبرز المجالات القادرة على تحقيق إيرادات ضخمة تساعد على تغطية تكاليف تطوير وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي.

ويشير هذا التحول إلى اختلاف واضح في استراتيجيات الشركات، إذ تسعى “OpenAI” و”أنثروبيك” إلى تحويل قدرات الذكاء الاصطناعي المتقدمة إلى أدوات تستخدمها الشركات في البرمجة والإنتاجية والعمليات اليومية، بينما تراهن “ميتا” على دمج الذكاء الاصطناعي مباشرة في تجربة المستخدم العادية.

ويرى بعض المراقبين أن هذا الاختلاف قد يمنح “ميتا” فرصة لتطوير نسخة أكثر تركيزًا على المستهلك من وكلاء الذكاء الاصطناعي، خصوصًا أن الشركة تمتلك خبرة طويلة في بناء خدمات رقمية أصبحت جزءًا من الحياة اليومية للمستخدمين.

وتشير التجربة التاريخية إلى أن “فيسبوك” و”إنستغرام” و”واتساب” نجحت في الوصول إلى قاعدة مستخدمين ضخمة، وهو ما يمنح “ميتا” بنية تحتية واسعة يمكنها من خلالها نشر ميزات الذكاء الاصطناعي على نطاق كبير.

تجربة “ميوز” تكشف نقاط القوة والضعف

جُرّب “ميوز” عمليًا بهدف تقييم مدى قدرته على التحول إلى مساعد يستخدمه الأشخاص بصورة مستمرة، وليس مجرد أداة جديدة تجذب الانتباه في البداية.

ومن بين المهام التي اقترحها الوكيل البحث عن أموال أو مستحقات مالية غير مطالب بها، وهي خدمة قد يغفل عنها كثير من المستخدمين.

وفي إحدى التجارب، تمكن “ميوز” بالفعل من العثور على أموال غير مطالب بها لصالح المستخدم، ما أدى إلى إرسال شيك إليه لاحقًا.

ورغم نجاح التجربة، فإنها كشفت في الوقت نفسه عن مشكلة تتعلق باستمرارية الاستخدام. فالعثور على أموال غير مطالب بها قد يكون مفيدًا جدًا، لكنه إجراء يحدث مرة واحدة غالبًا، ولا يمثل بالضرورة سببًا كافيًا للعودة إلى الوكيل بصورة يومية.

ولهذا وُصفت هذه الوظيفة بأنها أقرب إلى “خدعة استعراضية” أو ميزة مثيرة للاهتمام يمكن تجربتها مرة، أكثر من كونها وظيفة تدفع المستخدم إلى الاعتماد على “ميوز” بشكل مستمر.

الثقة تظل العقبة الأكبر أمام “ميتا”

وتظهر المشكلة بصورة أكثر وضوحًا عندما ينتقل “ميوز” من تنفيذ مهام بسيطة إلى التعامل مع معلومات مالية وشخصية شديدة الحساسية.

ومن بين الاستخدامات التي يمكن أن تجعل الوكيل أكثر فائدة، منحه إمكانية الوصول إلى بيانات بطاقات الائتمان وحساب Gmail وغيرها من المعلومات، بحيث يستطيع تنفيذ مهام مثل إلغاء الاشتراكات غير المستخدمة، أو اكتشاف الرسوم المكررة، أو تحليل النفقات الشخصية.

لكن هذا المستوى من الوصول يفرض سؤالًا أساسيًا حول مدى استعداد المستخدمين لمنح “ميتا” إمكانية الاطلاع على هذه البيانات والتعامل معها نيابة عنهم.

وتتمثل إحدى نقاط الجذب في أن “ميوز” لا يبدأ بالضرورة وهو متصل تلقائيًا بكل خدمات “ميتا” التي يستخدمها الشخص. فعند تشغيله للمرة الأولى، يمكن أن يتعامل مع المستخدم كما لو كان مستخدمًا جديدًا، بدلًا من ربطه فورًا بحساباته وسياقه على “فيسبوك” و”إنستغرام” و”ثريدز”.

وقد ساعد ذلك على خلق قدر من الثقة الأولية، لأن المستخدم لا يشعر بأن “ميتا” تعرف بالفعل كل شيء عنه منذ اللحظة الأولى.

لكن مع استمرار الاستخدام، يحاول “ميوز” جمع المزيد من المعلومات وربطها بالنظام، بما يسمح له بتكوين صورة أكثر تفصيلًا عن المستخدم وتفضيلاته واحتياجاته.

نموذج أعمال “ميتا” يثير تساؤلات الخصوصية

تمثل طبيعة أعمال “ميتا” عاملًا أساسيًا في مخاوف الثقة المرتبطة بـ “ميوز”. فالشركة تعتمد بدرجة كبيرة على الإعلانات، ما يجعل جمع البيانات وتحليل اهتمامات المستخدمين جزءًا مهمًا من نموذج أعمالها.

وتدافع “ميتا” عادةً عن جمع البيانات باعتباره وسيلة لتحسين استهداف الإعلانات وجعلها أكثر ملاءمة للمستخدمين، لكن نقل هذه العلاقة إلى وكلاء ذكاء اصطناعي قادرين على الوصول إلى معلومات شخصية ومالية يرفع مستوى الحساسية بصورة كبيرة.

فالمستخدم قد يقبل مشاركة قدر محدود من بياناته مع منصة اجتماعية، لكنه قد يكون أكثر تحفظًا عندما يتعلق الأمر بمنح وكيل ذكاء اصطناعي القدرة على قراءة رسائل البريد الإلكتروني أو التعامل مع الحسابات المالية أو تنفيذ إجراءات نيابة عنه.

وهنا تظهر أزمة الثقة باعتبارها واحدة من أكبر التحديات أمام تحول “ميوز” إلى مساعد رقمي يستخدم بشكل دائم.

مقارنة غير مباشرة مع Siri

تأتي هذه المخاوف في وقت بدأت فيه “أبل” توسيع قدرات Siri، خصوصًا مع الإصدارات الجديدة من أنظمة تشغيل آيفون، لتصبح قادرة على تنفيذ المزيد من الإجراءات والتحكم في وظائف الجهاز.

ويرى بعض المستخدمين أن هذا النوع من المساعدين قد يكون أكثر قبولًا عندما يأتي من شركة تتمتع بنموذج أعمال مختلف، خصوصًا فيما يتعلق بالإعلانات والبيانات الشخصية.

وتتعلق المسألة هنا بأكثر من مجرد الأمن السيبراني؛ إذ تشمل أيضًا الثقة في كيفية استخدام الشركة للبيانات التي يحصل عليها الوكيل، وما إذا كانت هذه البيانات ستستخدم فقط لتنفيذ المهام المطلوبة أم ستدخل في أنظمة أخرى مرتبطة بالإعلانات والتخصيص.

هل يستطيع “ميوز” أن يصبح جزءًا من الحياة اليومية؟

حتى الآن، تكشف تجربة “ميوز” عن مزيج من الإمكانات الواعدة والتحديات الكبيرة. فالوكيل قادر على تنفيذ مهام حقيقية، وقد ينجح في العثور على معلومات أو فرص لا ينتبه إليها المستخدم عادةً، كما أن تصميمه الموجه للمستهلكين يجعله أقرب إلى طريقة استخدام تطبيقات المحادثة التقليدية.

لكن القيمة الحقيقية لأي وكيل شخصي لن تتحدد فقط بعدد المهام التي يستطيع تنفيذها، بل بمدى استعداد المستخدم لمنحه صلاحية الوصول إلى حياته الرقمية.

وتراهن “ميتا” على أن دمج “ميوز” في تجربة المستخدم اليومية يمكن أن يمنحه قاعدة استخدام واسعة، مستفيدة من انتشار منصاتها المختلفة.

إلا أن نجاح هذا الرهان سيظل مرتبطًا بقدرة الشركة على إقناع المستخدمين بأن منح وكيل الذكاء الاصطناعي مزيدًا من المعلومات والصلاحيات لن يتحول إلى مصدر جديد للمخاوف المتعلقة بالخصوصية والبيانات والإعلانات.

وبينما يبدو أن “ميوز” يمتلك القدرة على تنفيذ مهام مفيدة بالفعل، فإن التحدي الأكبر أمام “ميتا” لا يتعلق فقط بما يستطيع الوكيل فعله، وإنما بمدى استعداد المستخدمين للثقة به ومنحه إمكانية الوصول إلى أكثر جوانب حياتهم الرقمية حساسية.

زر الذهاب إلى الأعلى