أخبار عاجلةالأسواق

ارتفاع كلفة المعيشة يورّط “العمال” البريطاني

ستوك نيوز- تتجاوز الضغوط المتزايدة على رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر حدود أزمة القيادة داخل حزب العمال. فخلف الدعوات إلى رحيله وخسائر الحزب في الانتخابات المحلية، تتشكل قصة أعمق عن بلد لم يلمس كثير من سكانه ثمار الوعود بالاستقرار، وعن اقتصاد يضغط على السياسة من جهتين: شارع تتآكل فيه الثقة تحت وطأة كلفة المعيشة وأسواق ترفع كلفة الاقتراض كلما اهتزت صورة الحكم.

لا يقيس الناخبون الزمن السياسي بالمؤشرات المجردة، بل بما يبقى في جيوبهم آخر الشهر، وبقدرتهم على دفع الإيجار أو القرض العقاري وفواتير الطاقة والغذاء، وبما إذا كانت الخدمات العامة التي يمولونها بالضرائب تتحسن فعلاً. لذلك، تبدو أزمة ستارمر، بعد أقل من عامين على فوز العمال بأغلبية كبيرة، انعكاساً لفجوة آخذة في الاتساع بين وعد الاستقرار والإحساس اليومي بتحسن الحياة.

تمنح مؤسسة جوزيف راونتري، وهي من أبرز الجهات البريطانية المتخصصة في الفقر ومستويات المعيشة، هذه القراءة سنداً اقتصادياً مباشراً. ففي تعليق خاص لـ”العربي الجديد”، يقول كريس بيلفيلد، كبير الاقتصاديين في المؤسسة، إن “هناك أدلة قوية على أن انعدام الأمان المالي يُعدّ محركاً رئيسياً لنيات التصويت”.

ويضيف أن ميزانيات الأسر “تشعر بضغط متزايد”، فيما يرى كثيرون أن “تقاعس الحكومة يتحمل جزءاً من المسؤولية على الأقل”. ولا يقف الأمر، بحسب بيلفيلد، عند حدود الضيق المعيشي اليومي، بل يمتد إلى الثقة العامة في السياسة. فهو يرى أن “غياب تحرك جريء بشأن مستويات المعيشة سيواصل تقويض ثقة الجمهور”، ويضيف أن إعادة بناء هذه الثقة تقتضي من الحكومة أن تُظهر أنها تفهم “التغيير الهيكلي المطلوب كي يشعر الناس فعلاً بأنهم أصبحوا أفضل حالاً”.

هكذا تتحول كلفة المعيشة إلى نية تصويت. فالناخب الذي لا يرى تحسناً في دخله أو خدماته أو كلفة سكنه لا يعاقب حكومة بعينها فقط، بل يفقد ثقته تدريجياً بقدرة السياسة التقليدية على تغيير حياته اليومية. ويصبح انعدام الأمان المالي قوة انتخابية صامتة، لا تظهر دائماً في خطاب اقتصادي منظم، لكنها تظهر في صندوق الاقتراع وفي تراجع الولاء للأحزاب الكبرى وفي صعود قوى تقدم نفسها بوصفها صوت الغضب لا صوت الإدارة.

تواجه حكومة ستارمر هذه الأزمة من موقع بالغ الصعوبة. فقد جاء حزب العمال إلى الحكم عام 2024 على وعد بإعادة الاستقرار بعد سنوات من الاضطراب السياسي والاقتصادي. غير أنّ الاستقرار، في نظر الناخب، لا يكفي إذا بقيت الحياة اليومية باهظة ومجهدة.

فالأسعار لا تزال مرتفعة مقارنة بما قبل موجة التضخم، وكلفة السكن تضغط على الأسر، والضرائب تبدو ثقيلة، والخدمات العامة تعاني من إرث طويل من الضغط ونقص التمويل. زادت استقالة وزير الصحة السابق ويس ستريتنغ من الحكومة حدة الضغط على ستارمر، وتكتسب هذه الخطوة دلالتها الاقتصادية من موقعه لا من طموحه السياسي فقط؛ إذ تقع الصحة، مثل السكن والخدمات المحلية، في صميم شعور البريطانيين بقدرة الدولة على تحسين حياتهم اليومية.

وذكرت رويترز في 16 مايو/ أيار أن ستريتنغ قال إنه سيخوض أي سباق مستقبلي لخلافة ستارمر، بعد استقالته ودعوته رئيس الوزراء إلى تحديد جدول زمني للمغادرة. وتواجه الحكومة ضغطاً موازياً من الأسواق. ففي 15 مايو، ارتفع عائد السندات الحكومية البريطانية لأجل ثلاثين عاماً إلى نحو 5.82%، وهو أعلى مستوى منذ عام 1998، بينما بلغ عائد السندات لأجل عشر سنوات نحو 5.153%، ما يعكس انتقال الاضطراب السياسي والمخاوف التضخمية مباشرة إلى كلفة الاقتراض.

هذا البعد المالي يجعل الأزمة أكثر تعقيداً من خلاف داخل حزب العمال. فارتفاع عوائد السندات يزيد كلفة اقتراض الدولة ويضيّق هامش الحكومة في تمويل خدمات أفضل أو تقديم تخفيف ضريبي ودعم مباشر للأسر. وهكذا يجد ستارمر نفسه بين ناخب يطلب تحسناً سريعاً وملموساً وأسواق تتحسس من أي توسع إنفاقي غير محسوب.

تتضح هذه العقدة في قلب المشروع العمالي نفسه. فالحكومة تريد الظهور بمظهر المسؤول مالياً بعد تجربة المحافظين وصدمة موازنة ليز تراس عام 2022، لكنها تحتاج إلى ما هو أكثر من الحذر كي تقنع الناس بأن التغيير بدأ. فالانضباط المالي قد يطمئن المستثمرين، لكنه لا يطمئن أسرة لا يلحق راتبها بكلفة الحياة أو شاباً يرى السكن حلماً بعيداً أو عاملاً لا يجد في سوق العمل وعداً بتحسن حقيقي.

تستفيد قوى اليمين الشعبوي، وفي مقدمتها حزب “إصلاح المملكة المتحدة” بزعامة نايجل فاراج، من هذا الفراغ. فهي لا تحتاج إلى خطة اقتصادية أكثر تماسكاً بقدر ما تحتاج إلى التقاط الغضب وتحويله إلى سردية بسيطة: نخب لا تسمع الناس وضرائب مرتفعة وخدمات متراجعة وهجرة تُقدَّم بوصفها ضغطاً إضافياً على الموارد.

قد تكون هذه السردية انتقائية، لكنها تمنح الضيق اليومي اسماً واتجاهاً. أظهرت انتخابات مايو المحلية حجم هذا التحول. فقد تكبد حزب العمال خسائر مؤلمة، بينما حقق حزب “إصلاح المملكة المتحدة” مكاسب لافتة في مناطق كانت تصوّت سابقاً للعمال أو المحافظين، بما في ذلك بعض مناطق ما بعد الصناعة التي تشعر منذ سنوات بأنها بقيت خارج مكاسب الاقتصاد البريطاني الحديث. وذكرت “رويترز” أن ستارمر تعهد بالبقاء في منصبه بعد خسائر ثقيلة لحزب العمال، بينما وصف فاراج نتائج حزبه بأنها تحول تاريخي في السياسة البريطانية.

لا يفسر الاقتصاد وحده صعود اليمين الشعبوي. فالهجرة والهوية والثقة بالمؤسسات والشعور بفقدان السيطرة، كلها عوامل حاضرة. لكن الاقتصاد يمنح هذه العوامل بيئة خصبة؛ فالناخب الأقل أمناً مادياً يصبح أكثر قابلية لتصديق خطاب يقول إن النظام لا يعمل لمصلحته وإن الأحزاب التقليدية تتبادل السلطة من دون أن تغيّر حياته.

تبدو هذه النقطة شديدة الحساسية بالنسبة إلى حزب العمال، الذي بُني انتصاره الكبير عام 2024 على تحالف واسع من ناخبين أرادوا التخلص من المحافظين أكثر مما التحموا حول مشروع اقتصادي واضح. ومع أول اختبار انتخابي قاسٍ، تظهر هشاشة هذا التحالف بين من يريد إنفاقاً عاماً أكثر جرأة ومن يريد استقراراً مالياً ومن يريد تحسناً سريعاً في الخدمات والدخل.

تبحث الحكومة عن هامش اقتصادي إضافي عبر تحسين العلاقات التجارية مع الاتحاد الأوروبي. فقد أعلنت وضع تشريع لتعزيز التعاون في مجالات الغذاء وتجارة الانبعاثات والكهرباء، مع تأكيدها أنها لا تنوي العودة إلى السوق الموحدة أو الاتحاد الجمركي أو حرية الحركة. لكن أثر هذه الخطوة، إن تحقق، سيبقى مرتبطاً بقدرتها على تخفيف بعض الحواجز التجارية ودعم النمو تدريجياً، لا بتقديم تحسن سريع في دخل الأسر أو كلفة الخدمات.

 

زر الذهاب إلى الأعلى