إفصاح “سبايس إكس” تمهيداً للطرح العام يكشف حدود إمبراطورية إيلون ماسك

ستوك نيوز- فتح الملياردير الأميركي إيلون ماسك الطريق واسعاً أمام أكبر طرح عام للأسهم في تاريخ البورصات، بعدما قدّمت شركته “سبايس إكس” ملف طرحها العام الأولي إلى هيئة الاوراق المالية الأميركية أمس الأربعاء، كاشفة عن تفاصيل أثارت شهية المستثمرين وشكوكهم في الوقت نفسه، ومستهدفة بيع ما يمكن أن تصل قيمته إلى 75 مليار دولار من أسهمها في الشهر المقبل، الأمر الذي من شانه أن يكسر الرقم القياسي الذي حققه طرح أسهم شركة أرامكو السعودية في عام 2019، وحقق آنذاك 25 مليار دولار.
ويعد الملف أول إفصاح من قبل “سبايس إكس” عن تعاملاتها التي حولتها إلى عملاق في مجال تكنولوجيا الفضاء والأقمار الاصطناعية خلال أعوام قليلة تستهدف تقييماً سوقياً عند حدود تريليوني دولار، كما يكشف توسعاً سريعاً في المعاملات بين “سبايس إكس” وبقية مجموعة شركات ماسك، مثل “تسلا” لصناعة السيارات الكهربائية، وشركة الذكاء الاصطناعي “إكس إيه آي”، ومنصة التواصل الاجتماعي “إكس”، الأمر الذي يضع ماسك وثروته في قلب كل هذه الأنشطة.
وأفادت وكالة بلومبيرغ الأميركية، في تقرير لها اليوم الخميس، بأنّ تفاصيل الطرح المزمع، بحسب الإفصاح، تمنح الملياردير المعروف قدرة تصويتية تفوق أي مساهم آخر، مع وعود بمكافآت ضخمة قد تصل إلى مليار سهم إذا نجح في تحقيق أهداف محددة، وفقاً للملف الذي قُدّم الأربعاء إلى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية.
وتشمل الأهداف التي يتعين على ماسك، البالغ 54 عاماً، تحقيقها إنشاء مستوطنة بشرية على المريخ تضم ما لا يقل عن مليون نسمة، بحسب الملف. وقبل ذلك، كُلّفت “سبايس إكس” بتحويل حلم مراكز البيانات الفضائية إلى واقع، ضمن ما تصفه بأنه أكبر سوق محتملة في التاريخ بقيمة 28.5 تريليون دولار. ومن المتوقع أن تؤدي خطة ماسك لطرح عام أولي بحجم غير مسبوق إلى تغيير أسواق المال العامة والخاصة إذا نجحت. فإدراج بهذا الحجم وارتفاع سعر السهم بعده قد يخففان المخاوف بشأن ما إذا كانت الشركات الخاصة ذات الإفصاحات المالية المحدودة والأسهم غير السائلة إلى حد كبير تحصل على تقييمات مبالغ فيها خلال جولات التمويل بقيادة رأس المال المغامر.
ويستهدف الطرح العام جمع ما يصل إلى 75 مليار دولار، ما يظهر شركة تنمو بسرعة لكنها تستهلك السيولة بوتيرة مرتفعة. ولكي يقتنع المستثمرون بحلم ماسك، عليهم أن يؤمنوا بقدرة “سبايس إكس” على الاستحواذ على حصة كبيرة من فرص السوق التي تتصورها، وأن يقبلوا في الوقت نفسه أنهم لن يتمكنوا من إزاحته إذا سارت الأمور بشكل خاطئ.
ويرسم ملف “سبايس إكس” صورة لتكتل اقتصادي يتمتع بدرجة نضج تكاد تكون غير مسبوقة لشركة لم تُدرج بعد في البورصة. فقد بلغت الإيرادات الإجمالية للشركة 18.7 مليار دولار في عام 2025، ارتفاعاً من 14 مليار دولار في العام السابق. وخلال تلك الفترة، تحولت الشركة من تحقيق أرباح قدرها 791 مليون دولار في 2024 إلى خسارة بلغت 4.94 مليارات دولار العام الماضي.
وحتى الآن، تستمد الشركة غالبية إيراداتها من خدمة الإنترنت الفضائي “ستارلينك” التي شكلت نحو ثلثي المبيعات في الربع الأول من عام 2026. فقد تضاعف عدد مشتركي “ستارلينك” تقريباً خلال العامين الماضيين، من 2.3 مليون في 2023 إلى 4.4 ملايين في 2024 ثم إلى 8.9 ملايين في 2025. وبلغت إيرادات هذه العمليات 4.42 مليارات دولار العام الماضي مقارنة بملياري دولار قبل عام.
إمبراطورية ماسك
ورغم هيمنة “سبايس إكس” على صناعة النقل الفضائي وكونها مزوداً رئيسياً لإطلاق الصواريخ لكل من وكالة الفضاء الأميركية “ناسا” ووزارة الحرب الأميركية “البنتاغون”، فإن هذا النشاط لا يزال يخسر المال على المستوى التشغيلي، بحسب الملف. ففي الأشهر الثلاثة المنتهية في 31 مارس/ آذار، حقق قطاع الفضاء إيرادات بلغت 619 مليون دولار مع خسائر تشغيلية بقيمة 662 مليون دولار. وقبل عام، سجل القطاع إيرادات بلغت 4 مليارات دولار وخسائر تشغيلية قدرها 657 مليون دولار.
ولا تزال طموحات الشركة في إطلاق مراكز بيانات إلى الفضاء الأرضي هائلة، إذ تخطط لإطلاق قدرة حوسبة للذكاء الاصطناعي تبلغ 100 غيغاواط سنوياً على أقمار اصطناعية تعمل بالطاقة الشمسية، وهو ما يعادل نحو خُمس إجمالي إنتاج الكهرباء السنوي في الولايات المتحدة خلال 2025. ويُعد قطاع الذكاء الاصطناعي الأكثر استهلاكاً للسيولة بفارق كبير. فمن بين متطلبات الإنفاق الرأسمالي الضخمة للشركة التي تضاعفت تقريباً إلى 20.74 مليار دولار العام الماضي، جرى تخصيص أكثر من نصفها للإنفاق المرتبط بأعمال الذكاء الاصطناعي، وهو قطاع أضيف حديثاً بعد استحواذ “سبايس إكس” على “إكس إيه آي” هذا العام.
وارتفعت خسائر عمليات الذكاء الاصطناعي لدى “سبايس إكس” إلى 6.36 مليارات دولار العام الماضي مقارنة بـ1.56 مليار دولار في 2024. وقد يحقق طرح “سبايس إكس” مكاسب ضخمة للعديد من المستثمرين الأوائل فيها، لكن الملف يُظهر أن ماسك سيكون المستفيد الأكبر. ويمتلك ماسك حالياً 12.3% من أسهم الفئة “إيه” و93.6% من أسهم الفئة “بي”، ما يمنحه 85.1% من قوة التصويت في الشركة. ونظراً إلى أن أسهم الفئة “بي” تمنح عشرة أصوات للسهم الواحد، فسيواصل ماسك السيطرة على الشركة بعد الطرح.
توسع “سبايس إكس”
وذكر تقرير لوكالة رويترز، اليوم الخميس، أنّ إفصاح “سبايس إكس” يؤكد الروابط التجارية والمالية الواسعة التي تجمع شركات إيلون ماسك. ورغم أن العديد من شركات الملياردير تتعاون منذ مدة طويلة، فإن الملف يتضمن تفاصيل لم يُكشف عنها سابقاً حول كيفية تحولها الآن إلى شبكة مترابطة باتفاقيات تجارية والتزامات تمويلية واعتماديات تشغيلية تمتد عبر الذكاء الاصطناعي والنقل والاتصالات والبنية التحتية.
وأظهرت الإفصاحات، يوم الأربعاء، توسعاً سريعاً في المعاملات بين “سبايس إكس” و”تسلا” لصناعة السيارات الكهربائية وشركة الذكاء الاصطناعي “إكس إيه آي” ومنصة التواصل الاجتماعي “إكس”. ويأتي ذلك في وقت يزداد فيه تدقيق المستثمرين في الحوكمة وتخصيص رأس المال والتداخل بين الشركات التي يسيطر عليها ماسك، مع توسع “سبايس إكس” إلى ما هو أبعد من الصواريخ والإنترنت الفضائي نحو البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والحوسبة.
وكشف الملف المقدّم عن أكثر من 20 مليار دولار من التزامات تأجير البنية التحتية للذكاء الاصطناعي مع أطراف ذات صلة، مرتبطة باتفاقيات معدات بين شركات تابعة لـ”إكس إيه آي” وشركة الاستثمار الخاصة “فالور إكويتي بارتنرز”، التي يشغل مؤسسها أنطونيو غراسياس عضوية مجلس إدارة “سبايس إكس”. وقال الملف إن بعض معاملات تأجير البنية التحتية للذكاء الاصطناعي التابعة لـ”فالور” جرى التعامل معها باعتبارها ترتيبات “بيع وإعادة استئجار فاشلة”، ما استوجب على “سبايس إكس” تسجيل مليارات الدولارات من الالتزامات المرتبطة بها ديوناً في ميزانيتها العمومية.




