“أنثروبيك”: أبطئوا الذكاء الاصطناعي قبل أن نفقد السيطرة

ستوك نيوز- في موقف يتعارض مع السباق المحموم الذي تخوضه شركات التكنولوجيا لتطوير نماذج ذكاء اصطناعي أكثر قوة، اقترحت شركة أنثروبيك الأميركية، إحدى أبرز الشركات في هذا المجال، إنشاء آلية عالمية تسمح بإبطاء تطوير الذكاء الاصطناعي المتقدم أو تعليقه مؤقتاً، إلى حين تمكّن المجتمعات والأبحاث المتخصصة من مواكبة التحولات المتسارعة التي تفرضها هذه التكنولوجيا. وتبرّر الشركة، المطوّرة لنماذج “كلود”، هذا الطرح بمخاوف متزايدة من احتمال “فقدان السيطرة” على الأنظمة المستقبلية الأكثر تطوراً، في وقت تتسابق فيه شركات مثل “أوبن إيه آي” و”غوغل” و”ديبسيك” الصينية على تحقيق قفزات تقنية جديدة مدعومة باستثمارات بمليارات الدولارات، رغم الجدل المتواصل بشأن التداعيات الأخلاقية والاجتماعية والبيئية للذكاء الاصطناعي.
وأشارت “أنثروبيك”، في ورقة نشرها معهدها البحثي الخميس، إلى أنها تعتقد أن العالم يحتاج إلى امتلاك القدرة على “إبطاء تطوير الذكاء الاصطناعي المتقدم أو تعليقه بصورة مؤقتة”، بما يتيح للهياكل المجتمعية وأبحاث مواءمة الذكاء الاصطناعي اللحاق بوتيرة التقدم التكنولوجي. ودعت إلى إنشاء نظام تنسيق عالمي يمنع أي طرف من استغلال التباطؤ المؤقت للانفراد بصدارة السباق. وحذّرت من أنه في غياب مثل هذه الآلية، “ستضطر الشركات والحكومات إلى اتخاذ قرارات صعبة على الصعيد الأمني، تحت ضغوط المنافسة والتحديات الجيوسياسية” مشيرة إلى أنّ وتيرة التطور الحالية قد تضع صناع القرار أمام خيارات مصيرية خلال فترة زمنية قصيرة.
واستشهدت “أنثروبيك” بسابقة “معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى”، معتبرة أن التوصل إلى مثل هذه الأطر التنظيمية يستغرق عادة سنوات طويلة، في حين أن الذكاء الاصطناعي يتطور بوتيرة أسرع بكثير، كذلك فإنه “أسهل إخفاءً من مستودعات الصواريخ”، ما يجعل مراقبته وتنظيمه أكثر تعقيداً.
وفي مقابلة مع “بي بي سي”، شبّه جاك كلارك، أحد مؤسسي الشركة إلى جانب داريو أمودي ودانييلا أمودي، مسار تطور الذكاء الاصطناعي بطفرة النفط في مطلع القرن العشرين، التي رافقتها قواعد ومؤسسات ساهمت في بناء الثقة العامة. وأضاف: “في الوقت الحاضر، يبدو وكأنّ قطاع الذكاء الاصطناعي لديه دواسة وقود، لكنه لا يملك دواسة مكابح”.
ويأتي هذا المقترح في خضم موجة استثمارية غير مسبوقة في قطاع الذكاء الاصطناعي. ومن أبرز تجلياتها إعلان شركة سبيس إكس المملوكة لإيلون ماسك، التي تضم مختبر الذكاء الاصطناعي “إكس إيه آي”، نيتها إطلاق أكبر اكتتاب عام أولي في البورصة. وبدأت “أنثروبيك”، التي تضاعفت قيمتها السوقية نحو ثلاث مرات خلال ثلاثة أشهر فقط، خطواتها الأولى مطلع يونيو/ حزيران، تمهيداً لدخول أسواق المال.
ومن المتوقع أن يواجه اقتراح “أنثروبيك” مقاومة واسعة داخل الولايات المتحدة، حيث يرفض عدد من المسؤولين وقادة قطاع التكنولوجيا أي تباطؤ في التطوير قد يمنح الصين أفضلية استراتيجية في هذا المجال. لكنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب قال إنه ناقش مع السلطات الصينية، خلال زيارته الأخيرة لبكين، إمكان التعاون في قضايا السلامة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. كذلك وقّع ترامب هذا الأسبوع أمراً تنفيذياً طاول انتظاره لتنظيم القطاع، يسمح بفرض رقابة حكومية على النماذج الأكثر تقدماً لأسباب تتعلق بالأمن السيبراني، لكن على أساس طوعي.
ومنذ تأسيسها على يد موظفين سابقين انشقوا عن “أوبن إيه آي”، سعت “أنثروبيك” لبناء صورة لمختبر يضع الأخلاقيات والسلامة في صلب عمله. إلا أنها واجهت انتقادات من شخصيات في قطاع التكنولوجيا ومن مسؤولين في البيت الأبيض، اتهموها بالمبالغة في تقدير المخاطر أو اعتماد استراتيجية قائمة على “تسويق الخوف”. وفي هذا السياق، حدّت الشركة منذ شهرين من انتشار نموذجها الأكثر تطوراً “ميثوس”، لإجراء تعديلات مرتبطة بالأمن السيبراني قبل طرحه على نطاق أوسع. وأكدت أنها تعتزم إطلاق نماذج مماثلة في الأسابيع المقبلة، فيما يستعد منافسوها أيضاً للكشف عن أنظمة متقدمة جديدة.
وتستند “أنثروبيك” في دعوتها إلى نتائج وأبحاث داخلية تشير إلى احتمال الوصول مستقبلاً إلى ما يُعرف بـ”التحسن الذاتي المتكرر”، وهي المرحلة التي تصبح فيها أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرة على تدريب الأجيال اللاحقة من الأنظمة بنفسها، مع تراجع الدور البشري في العملية. وترى الشركة أن هذا السيناريو قد يفتح الباب أمام قفزات هائلة في الطب والتكنولوجيا والاقتصاد، لكنه في الوقت نفسه قد يفاقم مخاطر فقدان السيطرة على الأنظمة الذكية.
ومع ذلك، تؤكد “أنثروبيك” أن هذا التحول ليس حتمياً، مشيرة إلى أنه “لا يوجد ما يضمن أن مثل هذا التطور بات وشيكاً”، لكنه قد يصبح ممكناً إذا استمرت الاتجاهات الحالية في تطور الذكاء الاصطناعي بالوتيرة نفسها.




