أخبار الشركاتأخبار عاجلة

“أرامكو” تشتري الوقود… تعطل الإمدادات السعودية يدفع الشركة إلى البحث عن الديزل والبنزين

ستوك نيوز – تبحث شركة أرامكو السعودية عن آلاف الأطنان من الديزل في حوض البحر المتوسط، بينما تسعى أيضا للحصول على البنزين من أوروبا، بالتزامن مع هجمات طاولت منشآت الطاقة السعودية وتعطل خط شرق – غرب. ويضع دخول الشركة سوق الوقود الأوروبية مشترياً إضافياً في وقت تواجه فيه إمدادات الديزل ضغوطاً وارتفاعاً في الأسعار. ونقلت وكالة “بلومبيرغ” الأميركية في 17 سبتمبر/أيلول الجاري عن وسطاء يراقبون السوق أن “أرامكو” قدمت عروض شراء لشحنات ديزل عبر نافذة التسعير التابعة لـ”بلاتس” (شركة “إس آند بي غلوبال إنرجي”)، على مدى عدة أسابيع.

وقال متعاملون إن الشركة بحثت كذلك عن البنزين في أوروبا. وبدأ هذا النشاط قبل الهجوم الأخير على خط الأنابيب الذي ينقل الخام إلى مصافي الساحل السعودي على البحر الأحمر، بينما تزامن مع حوادث استهدفت منشآت لإنتاج الوقود خلال الأشهر الماضية. وامتنعت “أرامكو” عن التعليق. ولم يحدد التقرير ما إذا كانت الشركة أتمت مشتريات، أو العملاء الذين قد تخصص لهم الشحنات. وتعطلت تدفقات الخام عبر خط شرق – غرب بعد هجمات تعرض لها، في وقت قالت فيه جماعة الحوثيين إنها هاجمت مصفاة في ينبع، بعدما أعلنت استهداف منشأة في جازان.

ويزيد تعطل الخط صعوبة نقل الخام إلى الساحل الغربي للمملكة، الذي أدى دور مسار بديل عندما اضطربت حركة الشحن عبر مضيق هرمز. وانعكس اضطراب الإمدادات السعودية على بعض المشترين الأوروبيين. فقد ذكرت “ستاندرد آند بورز غلوبال” أن “أرامكو” ألغت أو أجلت تسليمات من الخام مقررة في سبتمبر، من بينها شحنات لمجموعة أورلن البولندية، التي أعلنت في 16 سبتمبر تعاقدها على 16 شحنة إضافية لتعويض نقص الإمدادات السعودية. ويتعلق ذلك بشحنات الخام، في ما يخص بحث “أرامكو” في المتوسط الديزل ومنتجات وقود أخرى؛ ولا يثبت أحد الأمرين أن الشركة اشترت وقوداً لتسليمه بدلاً من شحنات الخام المؤجلة.

أسعار الديزل في أوروبا والبحر المتوسط
أسعار الديزل تحت الضغط

تأتي عروض “أرامكو” وسط ارتفاع حاد في أسعار الديزل الأوروبي. ووفقاً لتقييمات “بلاتس” التي نشرتها “ستاندرد آند بورز غلوبال” في 16 سبتمبر، بلغ سعر شحنات الديزل منخفض الكبريت في شمال غرب أوروبا 1642.25 دولاراً للطن في 15 سبتمبر، وهو أعلى مستوى منذ بدء إصدار هذا التقييم، قبل أن يتراجع إلى 1608.25 دولارات في اليوم التالي. وسجلت الشحنات المماثلة في البحر المتوسط 1664.75 دولاراً للطن في 15 سبتمبر، ثم 1632 دولاراً في 16 سبتمبر. وبلغ هامش تكرير الديزل في منطقة أمستردام – روتردام – أنتويرب 85.16 دولاراً للبرميل في 16 سبتمبر، بحسب المؤسسة نفسها.

والهامش مقياس للفارق بين قيمة المنتج المكرر وتكلفة الخام، وليس سعر شراء الديزل أو خسارة تحملتها “أرامكو”. وأشارت “بلاتس” إلى أن تعطل الإمدادات وتراجع المخزونات أسهما في إبقاء سوق المشتقات المتوسطة، ومنها الديزل، تحت الضغط.
وتزيد تطورات الشحن تعقيد إدارة الصادرات السعودية. ففي 24 سبتمبر، أفادت “لويدز ليست” بأن عبور ناقلات النفط العملاقة المرتبطة بالمملكة عبر مضيق هرمز سجل أعلى مستوى أسبوعي له منذ بدء الحرب في فبراير/شباط، بعد أن دفع تعطل خط شرق – غرب السعودية إلى إعادة توجيه صادرات عبر المضيق.

كلفة الحفاظ على العملاء

يرى الخبير الاقتصادي حسام عايش، في حديث إلى “العربي الجديد”، أن لجوء دولة منتجة أو شركة مصدرة إلى شراء النفط أو مشتقاته من سوق خارجية قد يهدف إلى الوفاء بالتزاماتها التعاقدية عندما يتعذر توفير الإمدادات من مسارها المعتاد. ويقول إن المحافظة على مواعيد التسليم تساعد المورد على حماية علاقته بعملائه وحصته في السوق. ويضيف أن البحث عن شحنات بديلة يتيح للشركات التعامل مع نقص مؤقت في الإنتاج أو تعطل النقل، لكنه ينقل إليها جزءاً من ضغوط السوق الفورية. فإذا ارتفع سعر شراء الشحنة البديلة، أو زادت كلفة نقلها وتأمينها، اتسع الفارق بين تكلفة توفيرها والعائد المتوقع من بيعها بموجب العقد الأصلي.

ولا تتوافر بيانات معلنة عن عدد الشحنات التي قد تشتريها “أرامكو”، أو أسعارها، أو شروط عقود التوريد المرتبطة بها. لذلك لا يمكن تقدير التكلفة الإضافية التي قد تتحملها الشركة، أو الجزم بأنها ستسجل خسارة من هذه العمليات. كما لا يمكن استنتاج وجهة الشحنات من موقع شرائها وحده. وبحسب عايش، قد يضيف دخول شركات إنتاج كبيرة إلى سوق المشتريات الفورية طلباً في فترة شح المعروض، بما يزيد المنافسة على الشحنات المتاحة. ويتوقف حجم الأثر السعري على الكميات المطلوبة، ومدة استمرار اضطراب الإمدادات، وقدرة المصافي والتجار على توفير بدائل من مناطق أخرى. ويشير إلى أن ارتفاع تكاليف الوقود والنقل والتأمين قد يصل لاحقاً إلى أسعار المنتجات النهائية في الأسواق المستوردة. غير أن انتقال هذه الكلفة إلى المستهلك يختلف بحسب العقود التجارية وآليات التسعير والضرائب أو الدعم المعمول بها في كل دولة. وقد تتحمل الشركات أو الحكومات جزءاً منها، وفقاً لطبيعة السوق والمدة التي يستغرقها الاضطراب.

من جانبه، يقول الخبير الاقتصادي محمد الناير لـ”العربي الجديد” إن شراء شحنات بديلة، حتى بسعر أعلى من المعتاد، قد يكون خياراً تجارياً لحماية العلاقة مع العملاء المرتبطين بعقود طويلة الأجل. ويرى أن انتظام التوريد يكتسب أهمية خاصة لشركة بحجم “أرامكو”، نظراً إلى دورها في إمداد أسواق متعددة بالنفط ومشتقاته. ويضيف الناير أن تكلفة الشراء العاجل ينبغي النظر إليها في ضوء أثر تعطل التسليم على العملاء والعقود المستقبلية. لكن الحكم على جدوى هذه الخطوة مالياً يتطلب معرفة سعر الشراء وشروط البيع والكميات المعنية؛ وهي تفاصيل لم تعلنها الشركة في ما يتعلق بعروض الديزل التي رصدها الوسطاء.

ويعد الناير أن تعطل خط شرق – غرب واضطراب الملاحة في المنطقة أظهرا أهمية توافر أكثر من مسار للصادرات السعودية. فتوقف خط ينقل الخام إلى البحر الأحمر قد يعيد جزءاً من الشحنات إلى هرمز، كما رصدت “لويدز ليست”، بينما تؤثر الهجمات على المنشآت الساحلية في قدرة المصافي والموانئ على العمل وفق جداولها المعتادة. وتقدر وكالة الطاقة الدولية الطاقة الإنتاجية المستدامة للسعودية بنحو 12.11 مليون برميل يوميا، لكنها قدرت إنتاجها الفعلي من الخام في أغسطس/آب 2026 بنحو 5.97 ملايين برميل يوميا.

التخزين في مواجهة التعطل

يدعو عايش إلى توسيع المخزونات الاستراتيجية من المنتجات المكررة، إلى جانب مخزونات الخام. ويوضح أن توافر الخام وحده لا يكفي لتعويض انقطاع الديزل أو البنزين إذا تعطلت المصافي أو تأخر وصول المنتجات إلى الأسواق المستوردة. ويقترح توزيع مرافق التخزين بين مواقع متعددة، بحيث تتاح شحنات قريبة من العملاء عند تعطل أحد خطوط النقل أو الممرات البحرية. ويشير إلى أن جدوى هذا الخيار تعتمد على طاقة التخزين وتكلفتها، وموقعها بالنسبة إلى الأسواق، والمدة التي تستطيع المخزونات خلالها تعويض نقص الإمدادات.

ويطرح الناير إنشاء مرافق تخزين خارج نقاط الاختناق التي تعتمد عليها الصادرات حالياً، ويذكر الساحل السوداني ضمن المواقع التي يمكن دراستها لهذا الغرض. ووفق تصوره، قد تسمح المخزونات الموجودة قرب مسارات التصدير بتلبية بعض طلبات العملاء في أثناء تعطل الشحنات المباشرة، والحد من الحاجة إلى شراء الوقود على عجل من الأسواق الأوروبية أو المتوسطية. غير أن المقترح يحتاج، قبل اعتباره خياراً قابلاً للتنفيذ، إلى دراسة أمن الموانئ السودانية وقدراتها، وشبكات النقل اللازمة لتغذيتها، وتكاليف البناء والتشغيل والتأمين. ولا يصح وصف الساحل السوداني بأنه خال من المخاطر في ظل الحرب المستمرة في البلاد منذ عام 2023.

ويرى الناير أن تطوير بنية للتخزين يتطلب استثمارات وشراكات طويلة الأجل، ولا يوفر حلّاً فورياً للشحنات المتأخرة حالياً. لكنه يقول إن وجود مخزونات موزعة جغرافياً قد يمنح الشركات وقتاً أطول لإعادة ترتيب التسليمات إذا تكررت الهجمات أو تعطلت طرق النقل. ويحذر عايش من أن المخزونات، مهما اتسعت، لا تستطيع تعويض توقف الإمدادات إلى أجل غير محدد. فإذا استمر اضطراب الشحن والإنتاج، فستضطر الشركات إلى البحث عن مصادر بديلة أو تعديل جداول التسليم، بينما قد تتأثر إيرادات الدول المصدرة بحسب حجم الصادرات التي يتعذر نقلها ومدة التعطل. ويخلص عايش إلى أن تكرار صدمات الطاقة يعزز، في رأيه، حاجة الاقتصادات الخليجية إلى تنويع مصادر الدخل. فاضطراب ممر بحري أو خط أنابيب قد يضغط على الصادرات والإيرادات في وقت واحد، حتى عندما تبقى القدرة الإنتاجية للنفط متاحة.

زر الذهاب إلى الأعلى