السودان يفتح الاستيراد لكسر الاحتكار… مستوردون يطالبون بتسريع التنفيذ وسط مخاوف من ضغوط على الجنيه

ستوك نيوز – يترقب مستهلكون ومستوردون في السودان تنفيذ توجيهات رئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان، برفع الحظر عن استيراد سلع غذائية ومدخلات إنتاج، وسط توقعات بخفض الأسعار والحدّ من التهريب، ومخاوف من زيادة الطلب على العملات الأجنبية وإضعاف قدرة المنتجات المحلية على المنافسة. ولم يظهر أثر التوجيهات على الأسعار خلال اليومَين الماضيَين، فيما تطالب الغرفة القومية للمستوردين بترجمتها إلى قرار تنفيذي واضح يمنع تضارب التفسيرات.
وأثارت الخطوة ارتياحاً لدى مستهلكين يأملون في تخفيف الأعباء المعيشية، بعدما شهدت الأسواق ارتفاعات كبيرة في أسعار السلع، بالتزامن مع توقف عدد من المصانع المحلية عن الإنتاج. ويقول مستوردون إنّ الحظر أسهم في انتشار التهريب والاستثناءات والتسويات، بما ألحق أضراراً بالمستهلكين وأربك حركة التجارة. وكان مجلس الوزراء قد حظر، في إبريل/نيسان الماضي، استيراد أكثر من 40 سلعة، شملت منتجات الألبان واللحوم المصنعة والمشروبات الغازية والعصائر الجاهزة والبسكويت والحلويات وبعض المنتجات الصناعية. وجاء القرار ضمن سياسات حكومية تستهدف تقليل الطلب على النقد الأجنبي ودعم الإنتاج المحلي وترشيد الواردات، مع إعطاء الأولوية للسلع الأساسية.
ويواجه الاقتصاد السوداني ضغوطاً متزايدة في توفير العملات الأجنبية، دفعت الحكومة إلى اتخاذ إجراءات للحد من استيراد السلع غير الضرورية ومحاولة تقليص اختلال الميزان التجاري. لكن الحظر تزامن مع استمرار ارتفاع أسعار الغذاء وتراجع الجنيه أمام الدولار، في وقت عجزت فيه المصانع المحلية عن تلبية احتياجات المواطنين، بسبب الأعباء الضريبية والدمار الواسع الذي لحق بالبنية التحتية للإنتاج. ووفقاً لتقارير محلية، وجه البرهان بإلغاء قرار مجلس الوزراء بحظر استيراد 46 سلعة، خلال اجتماع مع وزير المالية ووزيرة التجارة والصناعة.
وشملت التوجيهات رفع الحظر عن استيراد المنتجات الغذائية ومدخلات الإنتاج، والسماح باستيراد الخضراوات والفواكه والدقيق والأرز والبقوليات وزيوت الطعام دون رسوم جمركية، وفتح الاستيراد أمام الشركات والأفراد دون قيود. وقال وزير المالية، جبريل إبراهيم، في منشور على صفحته بمنصة “فيسبوك”، إنّ إلغاء قائمة السلع المحظورة جاء بتوجيه من رئيس مجلس السيادة، وإن القرار راعى احتياجات المستهلك الذي يكابد صعوبات المعيشة، مع اتخاذ التدابير الكافية لحماية المنتج المحلي.
وكشف إبراهيم عن اجتماع لجنة مصغرة برئاسته اتخذت قرارات إضافية تستهدف توفير الاحتياجات المعيشية للمواطنين وتخفيف معاناتهم اليومية.
وأثار القرار تبايناً بين جهات الاختصاص، إذ رحب به مؤيدون أملاً في خفض الأسعار وكسر الاحتكار، بينما حذر آخرون من تداعيات زيادة الواردات على الجنيه وموارد النقد الأجنبي والإنتاج المحلي.
ويرى مؤيدو الخطوة أن فتح الاستيراد وإلغاء الرسوم قد يساعدان في خفض تكلفة السلع وزيادة المعروض منها. في المقابل، يخشى آخرون ارتفاع الطلب على العملات الأجنبية في ظل اختلال الميزان التجاري وشح موارد النقد الأجنبي، فضلاً عن تراجع قدرة المنتج المحلي على المنافسة. وطالب متعاملون بتشديد الرقابة على الأسواق لضمان انتقال أثر الإعفاءات إلى المستهلك النهائي، معتبرين أن خفض التكلفة وحده لا يكفي لضمان تراجع الأسعار.
ورحبت الغرفة القومية للمستوردين بالقرار، معتبرة أنه يعالج الاختلالات التي أحدثها الحظر واضطراب الأسواق والأضرار التي لحقت بقطاع الاستيراد، كما وصفت الغرفة التجارية الخطوة بأنها داعمة للنشاط الاقتصادي والحركة التجارية وتخفيف الأعباء المعيشية. وطالب رئيس الغرفة القومية للمستوردين في السودان، الصادق جلال الدين، في حديث إلى “العربي الجديد”، بترجمة التوجيهات إلى قرار واضح وصريح، باعتبار ذلك ضرورة قانونية وإدارية تمنع الاجتهادات والتفسيرات الخاطئة أو الالتفاف عليها، خصوصاً من الجهات التي أصدرت قرار الحظر قبل نحو ستة أشهر.
ويرى جلال الدين أن الخطوة ستخفض تكاليف السلع وأسعارها، وتعزز القدرة الشرائية للمواطنين، وتخفف الضغوط على ميزانيات الأسر، وتيسر الحصول على المواد الغذائية الأساسية التي تستحوذ على جزء رئيسي من الإنفاق اليومي. بدوره، قال نائب رئيس اتحاد الغرف التجارية، علي صلاح، في تصريحات صحافية، إن القرار سيتيح استيراد السلع عبر القنوات الرسمية، بما يعزز الشفافية وينظم حركة الأسواق، ويسهم في الحد من ارتفاع أسعار السلع الضرورية. ودعا صلاح إلى اتخاذ قرارات داعمة للنشاط التجاري، مع تفعيل الرقابة لضمان انعكاس أي تخفيضات في الرسوم الجمركية على الأسعار ووصول أثرها إلى المستهلك النهائي.
في المقابل، يحذر مختصون واقتصاديون من أن رفع حظر الاستيراد قد يزيد الطلب على النقد الأجنبي، ويشكل ضغطاً إضافياً على سعر الصرف الذي يتأثر بتوقف الإنتاج وتراجع الصادرات. وقال المحلل الاقتصادي، إسماعيل محمد زين، لـ”العربي الجديد”، إن معالجة الضغوط المالية واستعادة الاستقرار تتطلبان ضبط العمليات المصرفية وتشديد الرقابة، ووضع آليات ومعايير صارمة من جانب بنك السودان المركزي لمراقبة التحويلات بالنقد الأجنبي وسقوفها، ومنع استغلال النظام المصرفي في المضاربات.
ودعا زين إلى اتخاذ إجراءات نقدية عاجلة لسحب الأوراق النقدية التي تعرضت للنهب أو التزوير، وإلزام المتعاملين باستخدام النظام المصرفي الرسمي والتحقق من مشروعية الأموال. كما طالب بالحد من تداول السيولة خارج القطاع المصرفي، وربط المعاملات الكبرى بالقنوات الرسمية، وتشجيع عودة الصناعة والإنتاج عبر إعفاء مدخلاتهما من الجمارك والرسوم، بما يشمل قطع الغيار ومحولات الكهرباء والكابلات وماكينات الإنتاج وخطوط التجميع، لخفض التكلفة وتحسين قدرة المنتجات المحلية على منافسة المستورد.
وشدد على أهمية توفير إمدادات كهرباء مستقرة ومدعومة للمناطق الصناعية، لضمان استمرار المصانع وتقليل تكاليف التشغيل المرتبطة بالاعتماد على الوقود التجاري. وفي القطاع الزراعي، دعا زين إلى إدخال التقنيات الحديثة والتقاوي المحسنة، والتوسع في الزراعة الآلية والمكثفة، وتوفير بذور عالية الإنتاجية ومقاومة للجفاف والآفات، إلى جانب إتاحة تمويل ميسر للمزارعين وتسهيل وصول الوقود والأسمدة، لزيادة الإنتاج وتعزيز موارد النقد الأجنبي من الصادرات الزراعية.




