الحالم والطماع والعبقري.. محاكمة “OpenAI” تكشف صراع التريليون دولار

تكشف محاكمة تاريخية قد ترسم ملامح مستقبل “OpenAI” عن صراعات نفوذ وطموحات شخصية رافقت تحول الشركة من مختبر بحثي غير ربحي إلى عملاق تجاري بقيمة سوقية تقدر بنحو 852 مليار دولار وقاعدة مستخدمين تقترب من المليار.
وقبيل انطلاق المحاكمة، التي رفعها إيلون ماسك، هدد الملياردير الأميركي بجعل الرئيس التنفيذي سام ألتمان ورئيس الشركة غريغ بروكمان “أكثر رجلين مكروهين في أميركا”. وبعد أسبوعين من الشهادات والسجالات داخل قاعة المحكمة، تضررت سمعة الأطراف الثلاثة، مع عرض مراسلات ورسائل نصية كشفت صراعات السلطة والجشع خلال السنوات الأولى لتأسيس الشركة.
طالب ماسك خلال الدعوى من القضاء إلغاء تحويل OpenAI إلى كيان هادف للربح، وإقصاء ألتمان وبروكمان من الإدارة. وفيما تتجه القضية إلى أسبوعها الأخير في مدينة أوكلاند بولاية كاليفورنيا، مع ترقب شهادة ألتمان، لا يزال مسار الحكم غير محسوم في ظل تراكم أدلة غير مريحة لكلا الجانبين.
ويرتكز ادعاء ماسك على أن مؤسسي “OpenAI” استولوا على مؤسسة خيرية ساهم في تمويلها بمبلغ 38 مليون دولار، وكانت مهمتها تطوير الذكاء الاصطناعي العام لصالح البشرية. واضطر بروكمان خلال الأسبوع الجاري للدفاع عن مذكرات شخصية عرضت في المحكمة، توحي برغبته في تحويل المنظمة غير الربحية إلى مشروع تجاري وتحقيق ثروة ضخمة، كاشفاً أنه يمتلك حالياً حصة تقدر بنحو 30 مليار دولار في الشركة.
لكن دفاع ماسك تعرض لضغوط بعدما برزت تفاصيل عن طموحاته الشخصية خلال مرحلة حاسمة من عمر “OpenAI”، حين احتدم الخلاف بين المؤسسين حول مستقبل الشركة. ففي أغسطس 2017، جمع ماسك المؤسسين في منزل اشتراه حديثاً قرب سان فرانسيسكو لمناقشة كيفية التفوق على “غوغل” مع الحفاظ على الطابع غير الربحي. وحضرت الممثلة آمبر هيرد، شريكته آنذاك، وقدمت المشروبات بينما جرى نقاش حاد حول الخطوة التالية.
وبحسب ملاحظات كتبتها شيفون زيليس، عضو مجلس الإدارة السابقة وأم لأربعة من أبناء ماسك، جرى خلال ذلك الاجتماع بحث تحويل الشركة إلى كيان ربحي خلال أسابيع، مع تعليقها: “واو، بسرعة!”. كما أظهرت رسائل بين ماسك وزيليس أنه لم يعارض التحول طالما احتفظ بالسيطرة، أو أمكن دمج OpenAI مع تسلا.
وقال بروكمان في شهادته إن ماسك عبر عن حاجته للسيطرة المطلقة، مبرراً ذلك بحاجته إلى تمويل مشروعه الطموح في المريخ، الذي قد يتطلب 80 مليار دولار. وتدهورت العلاقات سريعاً؛ فبعد رفض مقترحاته، غادر ماسك الشركة في مطلع 2018، ليؤسس لاحقاً شركته الخاصة للذكاء الاصطناعي xAI.
وقالت “OpenAI” إن خروج ماسك يثبت أن دوافعه لم تكن خيرية، وإن الدعوى تعكس إحباطه من عدم قدرة منتج “Grok” التابع ل”xAI” على منافسة ChatGPT. وفي تطور لافت، أعلن ماسك خلال جلسات الاستماع عن صفقة مع “أنثروبيك” تتيح لها استخدام مراكز بيانات xAI.
وفي حال حكمت المحكمة لصالح ماسك، قد تجبر “أوبن إيه آي” على العودة إلى كيان غير ربحي، ما يهدد خطط طرح عام محتمل يتجاوز تريليون دولار. كما يطالب ماسك بإعادة 150 مليار دولار إلى الذراع غير الربحية، وإقصاء ألتمان وبروكمان من الإدارة.
وخلال المحاكمة، واجه ألتمان انتقادات من شخصيات بارزة داخل الشركة، من بينها ميرا موراتي، المديرة التقنية السابقة، التي اتهمته بخلق بيئة “فوضوية ومسمومة”، فيما تحدثت عضوة مجلس الإدارة السابقة تاشا ماكولي عن ثقافة عمل “سامة”.
ومن المرتقب أن يدلي الرئيس التنفيذي لـ”مايكروسوفت”، ساتيا ناديلا، بشهادته، وسط اتهامات للشركة ب”المساعدة والتحريض”، علماً أن استثمارها البالغ 14 مليار دولار تحول إلى حصة تقارب 27% بقيمة تفوق 200 مليار دولار.
وتعيد القضية إلى الواجهة سؤالاً محورياً: هل ما زالت رسالة OpenAI غير الربحية تتقدم على اعتبارات الربح، أم أن التحول التجاري غير جوهر المشروع؟ سؤال قد تجيب عنه المحكمة، لكن تداعياته ستتردد طويلاً في أروقة صناعة الذكاء الاصطناعي العالمية.




