بوليفيا تواجه ثمن التحول الاقتصادي المؤلم

ستوك نيوز- تعيش بوليفيا واحدة من أكثر مراحلها الاقتصادية حساسية منذ عقدين، مع تصاعد احتجاجات اجتماعية واسعة ضد السياسات الاقتصادية للرئيس اليميني رودريغو باز، الذي تبنّى برنامجاً إصلاحياً يقوم على تقليص دور الدولة في الاقتصاد، ورفع الدعم عن الوقود، وإعادة هيكلة المالية العامة في محاولة لاحتواء عجز متفاقم ونقص حاد في العملات الأجنبية، لكن هذه التحولات، التي تُطرح بوصفها “إصلاحات ضرورية”، تحولت سريعاً إلى شرارة أزمة اجتماعية واسعة، كشفت هشاشة النموذج الاقتصادي للبلاد واعتمادها العميق على الدعم الحكومي والموارد الطبيعية.
أحد أكثر القرارات تأثيراً كان رفع دعم الوقود، الذي ظل لعقود ركيزة أساسية في الاقتصاد البوليفي. فقد ارتفع سعر البنزين بنحو 86%، والديزل بنسبة 160%، في خطوة حكومية اعتُبرت محاولة لسد العجز المالي المتفاقم، ومعالجة تراجع احتياطيات النقد الأجنبي، بحسب تقارير دولية تراقب اقتصاد بوليفيا منذ العام الماضي، كصندوق النقد الدولي. لكن أثر القرار كان فورياً وعنيفاً، فقد ارتفع معدل التضخم السنوي في بوليفيا إلى نحو 14.2% في إبريل/نيسان 2026، وفق بيانات المعهد الوطني للإحصاء البوليفي (INE)، مدفوعاً بارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية والسلع الاستهلاكية. وانعكس ذلك مباشرة على تكلفة الغذاء والنقل والحياة اليومية، فيما تحملت الأسر الفقيرة ومتوسطة الدخل العبء الأكبر من موجة الغلاء في ظل تآكل القدرة الشرائية للأجور، وتراجع فعالية شبكات الحماية الاجتماعية. كما ساهم نقص الوقود واضطراب سلاسل التوزيع في تعميق الاختناقات اللوجستية، مع تسجيل طوابير طويلة أمام محطات الوقود، وتراجع كفاءة خدمات النقل، وازدياد نشاط السوق الموازية للمحروقات، بحسب تقارير اقتصادية وإعلامية تابعت تطورات الأزمة.
اقتصاد هش يعتمد على الموارد
تُعد بوليفيا من الاقتصادات الصغيرة في أميركا اللاتينية، ويبلغ عدد سكانها نحو 12 مليون نسمة. ويعتمد اقتصادها بشكل أساسي على تصدير الغاز الطبيعي والمعادن مثل الليثيوم والقصدير والزنك، إضافة إلى الزراعة والتحويلات المالية، وفقاً للبنك الدولي في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، لكن المشكلة البنيوية الأساسية في الاقتصاد البوليفي تتمثل في ضعف التنويع الاقتصادي، إذ لا تزال الصناعة التحويلية محدودة، ما يجعل البلاد شديدة التأثر بتقلبات أسعار السلع الأولية في الأسواق العالمية. وقد أدى هذا الاعتماد الكبير على صادرات المواد الخام إلى جعل المالية العامة رهينة لتطورات قطاع الطاقة، خصوصاً مع تراجع إنتاج الغاز الطبيعي خلال السنوات الأخيرة، الأمر الذي ساهم في نقص العملات الأجنبية، وتراجع القدرة على تمويل واردات الوقود والسلع الأساسية، وفق تقرير نشرته صحيفة “إل باييس” الإسبانية في يونيو/حزيران 2025.
واستناداً إلى تقارير صندوق النقد الدولي (خاصة تقرير مشاورات المادة الرابعة مع بوليفيا 2 يونيو/حزيران 2025)، فإن من أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد البوليفي نقص العملات الأجنبية، ولا سيما الدولار، نتيجة تراجع الاحتياطيات الدولية، وانخفاض عائدات الصادرات. وقد أدى ذلك إلى ضغوط متزايدة على نظام سعر الصرف الرسمي، وظهور سوق موازية نشطة للعملة، مع اتساع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق، حيث تجاوز الفارق بين سعر الصرف الرسمي والسوق الموازية 80%، في ظل استمرار القيود على الحصول على العملات الأجنبية، كما تسبب شح الدولار في صعوبات متزايدة أمام الشركات في تمويل الواردات وتأمين الوقود والسلع الأساسية. وانعكس هذا النقص مباشرة على قدرة الدولة على تمويل الواردات، وخاصة الوقود والأدوية والمواد الغذائية، ما عمّق الأزمة المعيشية، ورفع معدلات عدم الاستقرار الاقتصادي.
كما أدى ذلك إلى تراجع ثقة المستثمرين، وتزايد الضغوط على الاحتياطي النقدي، ما حدّ من قدرة الحكومة على التدخل لضبط الأسواق. وفق تقديرات البنك الدولي، تتراوح نسبة الفقر في بوليفيا بين 36% و39%، فيما يصل الفقر المدقع إلى نحو 12% إلى 13%. وتتركز هذه النسب بشكل خاص في المناطق الريفية وبين السكان الأصليين والنساء، كما أشارت أرقام تقرير لصندوق النقد الدولي في 30 مايو/أيار العام الماضي. كما يشكل الاقتصاد غير الرسمي أكثر من نصف سوق العمل، ما يعني أن ملايين العمال يفتقرون إلى الحماية الاجتماعية والتأمين الصحي والاستقرار الوظيفي، ويعتمدون على دخل يومي هش يتأثر فوراً بأي صدمة سعرية. هذا الواقع جعل أي تغيير في أسعار الوقود أو الغذاء ينعكس بسرعة على الأمن المعيشي لشريحة واسعة من السكان.
من نموذج “ماس” وموراليس إلى التحول الليبرالي
لفهم عمق الأزمة الحالية، لا بد من العودة إلى نموذج حركة “ماس” (MAS) الاشتراكية بقيادة إيفو موراليس، الذي حكم البلاد لسنوات طويلة بنموذج اقتصادي يُصنف كـ”اقتصاد اجتماعي للدولة”. اعتمد ذلك النموذج على تأميم قطاع الغاز، وزيادة تدخل الدولة في الاقتصاد، وتوجيه عائدات الموارد الطبيعية نحو برامج اجتماعية، ودعم مباشر للفقراء، وتوسيع الإنفاق العام. وقد نجح هذا النموذج في تقليص معدلات الفقر بشكل ملحوظ خلال فترة ازدهار أسعار الغاز بين 2006 و2014، كما ساهم في توسيع الطبقة الوسطى وتحسين مؤشرات التنمية، لكن في المقابل، ظل الاقتصاد معتمداً بشكل شبه كامل على صادرات الغاز، دون تنويع حقيقي للقاعدة الإنتاجية، ما جعله هشاً أمام أي تراجع في الأسعار أو الإنتاج. على الجانب الآخر، تمثل سياسات الرئيس باز تحولاً نحو نموذج أكثر ليبرالية، يقوم على تقليص الدعم الحكومي، وضبط العجز المالي، وفتح المجال أمام القطاع الخاص والاستثمار الأجنبي، لكن هذا التحول السريع خلق صدمة اجتماعية، إذ لم تُرافقه شبكة حماية كافية للفئات الأكثر هشاشة.
ورغم أن جذور الأزمة البوليفية داخلية إلى حد كبير، فإن عوامل خارجية ساهمت في تفاقمها، فقد تراجعت عائدات تصدير الغاز الطبيعي، المصدر الرئيسي للعملة الصعبة، مع انخفاض الإنتاج المحلي وتراجع الطلب من الأسواق الإقليمية، خصوصاً البرازيل والأرجنتين. كما أدى ارتفاع تكاليف الاستيراد عالمياً، وتقلب أسعار المواد الخام، وارتفاع أسعار الفائدة الدولية، إلى زيادة الضغوط على المالية العامة واحتياطيات النقد الأجنبي. وفي الوقت نفسه، فشلت بوليفيا حتى الآن في تحويل احتياطياتها الضخمة من الليثيوم إلى مصدر مستدام للإيرادات، ما حرمها من مورد كان يمكن أن يخفف من أزمة الدولار والوقود. وهكذا تداخلت الاختلالات الداخلية مع المتغيرات الدولية لتدفع الاقتصاد البوليفي نحو واحدة من أصعب أزماته خلال السنوات الأخيرة.
احتجاجات واسعة متعددة القواعد
اندلعت الاحتجاجات بشكل فعلي في بوليفيا منذ أوائل مايو/أيار الماضي. وتشير التقارير إلى أن الموجة الاحتجاجية توسعت لتأخذ طابعاً وطنياً مع منتصف مايو، خصوصاً بعد إغلاق الطرق وتدهور أزمة الوقود، لتتحول لاحقاً إلى واحدة من أكبر موجات الغضب ضد سياسات الحكومة الجديدة. هذه الاحتجاجات، لا تقتصر على فئة واحدة رفضاً للإجراءات، بل تشمل طيفاً واسعاً من المجتمع، مثل نقابات العمال، وسائقي النقل، وعمال المناجم، والمزارعين، وجماعات السكان الأصليين. هذا التنوع يعكس اتساع قاعدة الغضب، وتحوّل الأزمة من اعتراض اقتصادي إلى رفض اجتماعي شامل لوتيرة الإصلاحات. وقد شملت التحركات إضرابات عامة، وإغلاق طرق رئيسية، واحتجاجات في المدن الكبرى، ما أدى إلى شلل جزئي في حركة النقل والتجارة.
وتقول الحكومة البوليفية إن هذه الإجراءات ضرورية لتفادي الانهيار المالي واستعادة الاستقرار الاقتصادي على المدى الطويل، لكن معارضيها يرون أنها تنقل العبء مباشرة إلى الفئات الفقيرة، وتعيد توزيع الكلفة الاجتماعية للإصلاح بشكل غير عادل. وتتهم المعارضة الحكومة بتبني وصفات تقشفية قاسية دون مراعاة البنية الاجتماعية الهشة، في بلد يعتمد فيه أكثر من نصف السكان على دعم مباشر أو غير مباشر من الدولة. ومع استمرار الأزمة، تتجاوز الاحتجاجات البعد الاقتصادي لتصل إلى أزمة ثقة في النموذج السياسي والاقتصادي للدولة. فبينما يرى أنصار الحكومة أن الإصلاحات ضرورية لتحديث الاقتصاد، يرى المحتجون أنها تهدد الاستقرار الاجتماعي وتعمّق الفوارق الطبقية.




