أخبار عاجلةالأسواق

مافيا الذهب المغشوش في مصر… بريق خادع للسبائك

ستوك نيوز- مع دقات الحادية عشرة صباحاً، تبدو الحركة داخل “سوق الصاغة” في منطقتي فرنسا والزنقة في قلب الإسكندرية، شمالي مصر، أشبه بخلايا نحل لا تهدأ. أصوات ارتطام المعادن، ولمعان المشغولات خلف الواجهات الزجاجية، وحركة المواطنين المتنقلين بين المحال، كلها تفاصيل توحي باقتصاد حيوي يبحث فيه الجميع عن “ملاذ آمن”. لكن خلف هذا البريق، هناك حالة من التوجس تفرض نفسها على أحاديث التجار والزبائن على حد سواء؛ والسبب: التحذير الأخير الصادر عن وزارة الداخلية بشأن ضبط حالات لبيع الذهب المغشوش.

جاءت تحذيرات وزارة الداخلية المصرية بعد الإعلان عن ضبط تشكيلات عصابية تحترف تزييف المعدن النفيس، بالتزامن مع طفرة سعرية غير مسبوقة يشهدها السوق، وتسجيل الذهب مكاسب محلية استثنائية بلغت نحو 18% منذ بداية العام. وفي غضون ذلك، شهدت أسواق الذهب إقبالاً كبيراً من المواطنين لاقتناء السبائك والجنيهات الذهبية، حيث تحول المعدن النفيس من مجرد زينة أو ادخار مؤجل إلى “وعاء استثماري أول” للمواطنين بمختلف فئاتهم. غير أن هذا الإقبال القياسي فتح الباب أمام “سوق موازية” تعتمد على الغش الرقمي والبيع خارج الرقابة الرسمية، مستهدفة أموال صغار المدخرين عبر منصات بيع مجهولة.

سبائك وجنيهات نحاسية

حسب ما أعلنته وزارة الداخلية، فقد تم التحفظ على عشرات الجنيهات والسبائك المقلدة المصنوعة من معدن النحاس والمطلي بمواد كيميائية تمنحها بريقاً خداعاً يشبه الذهب الحقيقي، قبل إعادة تغليفها داخل أغلفة تطابق الأصلية، وبيعها للمواطنين بموجب فواتير مزورة منسوبة لمحلات ذهب شهيرة. كما ضُبطت أدوات التصنيع والفواتير المزيفة، واعترف المتهمون بارتكاب عدة وقائع نصب بالأسلوب ذاته. وسيراً على النهج نفسه، تمكنت الإدارة العامة لشرطة التموين والتجارة الداخلية بقطاع الأمن الاقتصادي من ضبط كميات كبيرة من المشغولات الذهبية والفضية المقلدة داخل أعرق المناطق التجارية بالقاهرة، قبل بيعها للمواطنين باعتبارها أصلية.

يعلق محمود العبد، وهو صاحب أحد أقدم محال الصاغة في الإسكندرية، على هذا المشهد قائلاً إن الزبون يجري وراء وهم توفير 100 جنيه في مصنعية الغرام، ويشتري الذهب من أي جهة لا تقدم فاتورة رسمية معتمدة، سواء على مواقع التواصل الاجتماعي أو من أماكن غير مرخصة، وفي النهاية يكتشف أنه اشترى نحاساً مطلياً. ويوضح العبد أن الأزمة الحقيقية لا تكمن في المحال النظامية الخاضعة لرقابة مصلحة الدمغة والموازين، بل في المجموعات على وسائل التواصل ومنصات البيع الرقمية المجهولة، مؤكداً أن الذهب المغشوش لا يدخل المحلات الكبيرة لأن التاجر لديه سمعة ورأس مال يخشى عليهما، فضلاً عن العقوبات القانونية الصارمة التي تصل إلى الحبس والغرامة المالية الضخمة وإغلاق المنشأة، بينما تأتي الأزمة كلها من زبائن يأتون إلى المحلات لبيع سبائك أو جنيهات اشتروها عبر الإنترنت، وعند الفحص تكتشف الكارثة.
وأشار العبد إلى استقرار عيار 21، الأكثر تداولاً، عند مستوى 6790 جنيهاً للغرام، فيما سجل سعر الجنيه الذهب 54.320 جنيهاً، والسبائك عيار 24 نحو 7760 جنيهاً للغرام بدون المصنعية؛ وهو ما فسّره بكونه الدافع الرئيسي وراء لجوء “مافيا الغش” إلى حيل مبتكرة، مثل تزوير الأغلفة الأمنية للسبائك وخلط النحاس بالذهب لاستهداف المدخرين (الدولار = نحو 52 جنيهاً).

زيادة محاولات الاحتيال

يتطابق هذا الحديث مع التحذيرات التي أطلقها الخبير سكرتير عام شعبة الذهب سابقاً، الذي يمتد تاريخه في المهنة لنحو 60 عاماً، نادي نجيب، حيث يؤكد دائماً أن الخطأ الأكبر هو التعامل مع جهات غير معلومة الهوية بحثاً عن سعر أقل، مشدداً على أن الوقاية تبدأ من الشراء من مكان موثوق له سجل تجاري وضمان حقيقي، قبل الانتقال لأي اختبارات فنية.
وخلال جولتنا داخل السوق، رصدنا عملية بيع سبيكة ذهبية بوزن 20 غراماً، واستوقفنا إصرار المشتري على مراجعة كل بند في الفاتورة، وهو سلوك يرى التجار أنه بدأ يرتفع بين المواطنين نتيجة زيادة الوعي. ويقول مينا ألبير، وهو مدير بأحد محال الصاغة الكبرى بالإسكندرية، إن الفاتورة ليست مجرد ورقة لحساب السعر، بل هي سند الملكية القانوني الوحيد للمواطن، وبدونها لا يمكن للمشتري إثبات حقه أو الرجوع إلى المحل إذا ظهر أي عيب فني لاحقاً. ويشير مينا إلى ضرورة أن تتضمن الفاتورة تفاصيل دقيقة تشمل الوزن الصافي للقطعة بالغرام وأجزائه، والعيار المعتمد، ورقم الدمغة الرسمية المطبوع على القطعة، وقيمة المصنعية والضريبة بشكل منفصل، مؤكداً أن الآونة الأخيرة شهدت زيادة في محاولات الاحتيال لبيع الذهب المقلد أو المنتجات غير المطابقة للمواصفات، مستغلة نقص خبرة المستهلكين واعتماد بعضهم على صفحات غير موثوقة.

وداخل ورشة صغيرة ملحقة بأحد المحلات، التقينا بـ”صنايعي” مخضرم يدعى رجب الشيخ، لنفهم منه كيف يكتشف الصائغ الغش قبل أن تقع القطعة في يد المستهلك. يخرج رجب قطعة مغناطيس صغيرة ويقول إن هذا هو الاختبار المبدئي والسريع، فالذهب الخالص لا ينجذب للمغناطيس مطلقاً، وإذا تحركت القطعة أو شعرت بمقاومة مغناطيسية، فهذا يعني فوراً أن هناك معادن أخرى مخلوطة بداخلها مثل الحديد أو النيكل. لكن رجب يستدرك سريعاً مشيراً إلى أن المغناطيس مكشوف، والنصابون الأذكياء يخلطون الذهب بالنحاس لأنه لا ينجذب للمغناطيس أيضاً، لذلك يعتمد الصاغة على عامل الخبرة الطويلة، إلى جانب أجهزة متخصصة حديثة يمكنها تحديد ما إذا كان الذهب أصلياً وخالصاً أم مزيفاً. ويرى الشيخ أنه في ظل حمى الشراء الحالية، من الصعب على الغالبية العظمى من المستهلكين معرفة الفروق الدقيقة، وتحديد ما إذا كان الغش في العيار أو الوزن أو الجودة، لذا لا بد من الاعتماد على أهل الثقة والخبرة.

صفحات مجهولة المصدر

وفي هذا السياق، يحذر رئيس شعبة الذهب بالغرفة التجارية هاني ميلاد من تزايد عمليات النصب والاعتماد على الصفحات مجهولة المصدر، مشدداً في حديثه لـ”العربي الجديد” على ضرورة الالتزام بالقواعد الآمنة للشراء. ويرى ميلاد أن الخطوة الأولى لحماية المدخرات تبدأ من رفض الشراء غير الموثق، حيث يجب أن تتم العملية بالكامل داخل محل تجاري معروف ومرخص، يمتلك سجلاً تجارياً وبطاقة ضريبية، مع الابتعاد تماماً عن شراء الذهب المستعمل أو الجديد من أشخاص عبر الإنترنت، مهما كان السعر مغرياً ويقل عن السعر اليومي السائد في السوق، كما يشدد على أهمية مطابقة الوزن المكتوب في الفاتورة بدقة مع الوزن الظاهر على شاشة الميزان الرقمي الحساس الخاص بالمحل، بالإضافة إلى فحص الدمغة الرسمية، سواء كانت التقليدية أو الليزر الحديثة، والتأكد من وضوحها، لكون الذهب المغشوش غالباً ما يأتي بدمغة مطموسة لتضليل المشتري. وعلى الجانب الرسمي، دخلت وزارة التموين والتجارة الداخلية على خط الأزمة بتحذيرات مشددة من الغش في سوق الذهب والمعادن الثمينة، مؤكدة استمرار الحملات الرقابية لمواجهة أي ممارسات تضر بحقوق المستهلكين أو تؤثر سلباً على استقرار السوق.

زر الذهاب إلى الأعلى