سوق سوداء للغاز في غزة تشلّ عشرات المهن

ستوك نيوز- تحول شحّ غاز الطهي في قطاع غزة إلى أزمة اقتصادية ومعيشية واسعة أصابت عشرات المهن بالشلل، وأجبرت آلاف العاملين على التوقّف عن أعمالهم، في ظل استمرار النقص الحاد في الكميات الواردة إلى القطاع وارتفاع أسعارها إلى مستويات غير مسبوقة.
ويعاني الغزيون منذ أشهر من شحّ شديد في غاز الطهي، نتيجة محدودية الكميات التي تسمح إسرائيل بإدخالها عبر المعابر، الأمر الذي أدى إلى ظهور سوق سوداء ارتفعت فيها الأسعار بصورة كبيرة، فيما عادت غالبية الأسر للاعتماد على الحطب والأخشاب بديلاً لتأمين احتياجاتها اليومية من الطهي.
وبينما كان سعر كيلو غاز الطهي قبل الحرب لا يتجاوز خمسة شواكل (الدولار = 2.8 شيكل)، تجاوز سعره حالياً حاجز الـ100 شيكل للكيلو الواحد في السوق السوداء، بنسبة ارتفاع تفوق 1900%، وسط ندرة شديدة في الكميات المتوفرة وصعوبة حصول المواطنين عليها، ما جعل استخدامه مقتصراً على حالات محدودة أو مهن لا تستطيع الاستغناء عنه بشكل كامل.
توقف مهن
من بين المتضررين من الأزمة، سائق سيارة الأجرة طارق العصار، الذي كان قد حوّل مركبته للعمل بغاز الطهي قبل اندلاع الحرب، بهدف تخفيض تكاليف التشغيل، إلا أن الارتفاع الهائل في أسعار الغاز وتراجع كمياته أجبره على التوقف الكامل عن العمل منذ شهور.
ويقول العصار لـ”العربي الجديد” إنه ينتظر يومياً أي خبر يتعلق بإدخال كميات جديدة من الغاز إلى أسواق غزة، على أمل إعادة تشغيل سيارته، موضحاً أن المركبة لا تزال مصطفة أمام منزله منذ أشهر طويلة دون أن يتمكن من استخدامها أو توفير مصدر دخل من خلالها.
ويضيف: “أعيل أسرة مكونة من سبعة أفراد، وأقضي أيامي دون عمل رغم حاجتي الماسة إلى المال، في السابق كان العمل على الغاز مجدياً اقتصادياً، أما اليوم فإن شراء الكيلو الواحد بأكثر من 100 شيكل يجعل تشغيل السيارة مستحيلاً، حتى لو عملت فلن أحقق أي ربح، بل سأتكبد خسائر إضافية بسبب تكاليف الوقود المرتفعة”.
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على قطاع النقل، بل تمتد إلى المهن الحرفية التي تعتمد بشكل مباشر على غاز الطهي في تشغيل معداتها، ويعد العامل في لحام براميل المياه محمد ميّط، من سكان مخيم البريج وسط قطاع غزة، أحد هؤلاء الذين وجدوا أنفسهم عاجزين عن مزاولة أعمالهم بسبب نقص الغاز.
ويقول ميّط لـ”العربي الجديد” إنه يمضي معظم وقته جالساً في خيمته دون عمل، مشيراً إلى أنه لا يتمكّن من الحصول على الغاز إلا على فترات متباعدة عندما تنخفض الأسعار قليلاً أو تتوفر كميات محدودة في الأسواق.
ويضيف: “لحام البراميل لا يزال مطلوباً بشكل كبير بسبب نقص البراميل الجديدة وغالونات المياه (عبوات بلاستيكية)، ما يدفع الناس إلى إصلاح التالف منها بدلاً من شراء بديل جديد، لكن المشكلة أن تنفيذ هذا العمل يعتمد بشكل أساسي على غاز الطهي المستخدم في جهاز اللحام، وبدونه لا أستطيع إنجاز أي طلبات أو توفير دخل لعائلتي المكونة من ثمانية أفراد، حتى لو كان دخلاً متواضعاً”.
كما انعكست أزمة الغاز على قطاع الأغذية والمطاعم، حيث يواجه أصحاب المشاريع الصغيرة صعوبات متزايدة في الحفاظ على استمرارية أعمالهم.
ويقول بائع الشاورما في سوق الشيخ رضوان بمدينة غزة، خالد جبر، إن أسعار الوجبات لا تزال مرتفعة بسبب الارتفاع الكبير في تكاليف التشغيل، وفي مقدمتها غاز الطهي. ويوضح جبر لـ”العربي الجديد” أن الغاز يمثل أحد أهم النفقات الأساسية اللازمة لتشغيل محال الشاورما، وأن الزيادة الحادة في أسعاره تنعكس بصورة مباشرة على تكلفة الإنتاج وأسعار البيع للمستهلكين.
ويضيف: “السبب الرئيسي في بقاء سعر الشاورما مرتفعاً هو أسعار الغاز، أحياناً نضطر إلى إغلاق المحل بالكامل بسبب عدم توفر الغاز، فهذه المهنة لا يمكن أن تستمر بدونه، وأي انقطاع في الإمدادات يعني توقف العمل مباشرة”.
الحطب بديلاً في غزة
ويطاول تأثير شح الغاز الحياة اليومية لغالبية الأسر في القطاع، فمع عجز المواطنين عن الحصول على غاز الطهي عادت أعداد كبيرة منهم إلى استخدام الحطب والأخشاب لإعداد الطعام.
وتتحدث العديد من الأسر عن متاعب صحية واقتصادية متزايدة نتيجة الاعتماد على الحطب، إذ يتسبب الدخان الناتج عن عمليات الحرق في مشكلات تنفسية خصوصاً للأطفال وكبار السن، إضافة إلى الجهد الكبير المطلوب لتأمين الأخشاب يومياً في ظل الظروف المعيشية الصعبة.
ويقدّر الاحتياج الفعلي للقطاع من غاز الطهي بنحو ثمانية آلاف طن شهرياً، أي ما يعادل نحو 260 طناً يومياً، لتلبية الحد الأدنى من احتياجات السكان.
من جهته، يقول مصدر في الهيئة العامة للبترول إن أزمة الغاز تفاقمت بشكل كبير خلال شهري إبريل/ نيسان ومايو/ أيار الماضيين، نتيجة التراجع الكبير في أعداد الشاحنات التي سمح لها بالدخول إلى قطاع غزة.
ويوضح المصدر لـ”العربي الجديد” أن إسرائيل زادت من تقليص إدخال شاحنات الغاز بشكل ملحوظ، حيث لم يدخل سوى عشر شاحنات فقط خلال الأيام العشرة الأخيرة من شهر مايو الماضي، رغم أن القطاع كان يشهد في فترات ما بعد وقف إطلاق النار دخول ما يصل إلى ثماني شاحنات في يوم واحد.
ويضيف: “حجم العجز في كميات الغاز كبير جداً مقارنة بالاحتياجات الفعلية للسكان، الأمر الذي يؤدي إلى بطء شديد في عمليات توزيع الحصص المتوفرة”، مشيراً إلى أن البروتوكول الإغاثي ينص على إدخال 50 شاحنة يومياً من الوقود وغاز الطهي، إلا أن إسرائيل ترفض الالتزام بهذه الكميات ما يبقي الأزمة قائمة ويؤثر بصورة مباشرة في حياة السكان والأنشطة الاقتصادية والمهنية في مختلف أنحاء القطاع.
وفي ظل استمرار النقص الحاد في الإمدادات، وارتفاع الأسعار، تتزايد المخاوف من اتساع دائرة المهن المتوقفة، وتفاقم الأعباء المعيشية على الأسر، بينما يبقى غاز الطهي أحد أكثر السلع إلحاحاً بالنسبة لسكان غزة الذين يواجهون تحديات يومية في تأمين احتياجاتهم الأساسية ومصادر رزقهم.




