هل يصبح قطع الإنترنت جريمة ضد الإنسانية؟

ستوك نيوز- بينما يحتفل العالم، اليوم الأحد، باليوم العالمي للاتصالات ومجتمع المعلومات تحت شعار “شرايين الحياة الرقمية”، تعيش أجزاء واسعة من المنطقة تحت وطأة تعتيم رقمي، وسط شبكات منهارة واتصالات تحوّلت من خدمة يومية إلى وسيلة نجاة وساحة حرب في آن. فمن غزة إلى السودان وإيران، لم يعد الإنترنت مجرد بنية تقنية أو فضاء افتراضي، بل بات هدفاً مباشراً للقصف والسيطرة والعقاب الجماعي.
وتقول مديرة حملة #KeepItOn العالمية في منظمة أكسس ناو، فيليسيا أنثونيو، لـ”العربي الجديد”، إن “الاستبداد الرقمي يتصاعد في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لكن كذلك تتصاعد قوة الناس والمقاومة”. وتشير إلى أن المنطقة شهدت ما لا يقل عن 385 حالة قطع للإنترنت منذ عام 2016، ما جعلها واحدة من أبرز بؤر التعتيم الرقمي عالمياً. وتضيف: “من التقنيين الذين يطورون أدوات لتجاوز الحجب في إيران، إلى الناشطين الذين يكسبون دعاوى قضائية في السودان، يثبت المجتمع المدني أنه رغم قدرة الحكومات على الضغط على زر الإطفاء، لا تستطيع إسكات الناس أو مطالبهم بالمساءلة”.
وتُظهر الأرقام التي كشفها تقرير جديد لتحالف #KeepItOn العالمي لمناهضة قطع الإنترنت و”أكسس ناو” أن التعتيم الرقمي أصبح أداة راسخة في إدارة الحروب والأزمات والصراعات السياسية. إذ سجل عام 2025 أعلى عدد موثق من عمليات قطع الإنترنت منذ عام 2016، مع تسجيل 313 حالة قطع أو حجب في 52 دولة، مقارنة بـ304 حالات في 2024 و289 في 2023. كما وثّق التقرير 125 حالة مرتبطة بالحروب والنزاعات المسلحة، ما يجعلها السبب الأول عالمياً لقطع الإنترنت للسنة الثالثة على التوالي، إضافة إلى 64 حالة مرتبطة بالاحتجاجات السياسية، و94 عملية حجب لمنصات مثل “فيسبوك” و”واتساب” و”تيك توك”.
وترى أنثونيو أن الحكومات والأطراف المتحاربة لم تعد تنظر إلى الإنترنت باعتباره خدمة عامة، بل أداة للسيطرة وإخفاء الانتهاكات. وتوضح: “على مدى عقود، اختبأت الحكومات وراء ذرائع فضفاضة مثل الأمن القومي أو مكافحة المعلومات المضللة لتبرير قطع الإنترنت. لكن الواقع أكثر سواداً بكثير: هذه أدوات للعقاب الجماعي تُستخدم لإسكات المعارضة، وترهيب الأشخاص، وتقويض الحقوق الأساسية، والتحكم في الرواية، وإخفاء الفظائع خلال الاحتجاجات والانتخابات والنزاعات”. وتضيف أن البيانات تُظهر بوضوح أن قطع الإنترنت يفاقم الأزمات الإنسانية ويزيد عزلة المجتمعات ويعرّض حياة المدنيين لمخاطر أكبر.
وفي المنطقة، تكشف البيانات أن الإنترنت بات جزءاً من الحروب الحديثة نفسها. ففي غزة، التي تمثل النموذج الأكثر تطرفاً للحرب على الاتصالات، تضررت نحو 75% من البنية التحتية للاتصالات بفعل حرب الإبادة الإسرائيلية في أكتوبر/تشرين الأول 2023، بينما دُمّر ما لا يقل عن نصفها بالكامل. كما سُجلت 15 حالة انقطاع شبه كامل أو كامل للإنترنت والاتصالات، في وقت تعطّل فيه 15 مزود خدمة من أصل 19 داخل القطاع. ولم يكن هذا الانهيار نتيجة القصف الإسرائيلي فقط، بل أيضاً نتيجة هشاشة بنيوية مزمنة في البنية الرقمية الفلسطينية. فغزة تعتمد منذ سنوات على بوابات اتصال تمر عبر إسرائيل التي تتحكم كذلك في الطيف الترددي والمعدات وتطوير الشبكات. وكان القطاع حتى وقت قريب المكان الوحيد المعروف في العالم الذي يقتصر فيه الاتصال المحمول على شبكات الجيل الثاني (2G) بسبب القيود الإسرائيلية.
وأدى انهيار الاتصالات إلى عزل أجزاء واسعة من القطاع عن العالم، ما صعّب تنسيق عمليات الإسعاف والإغاثة، وأعاق قدرة العائلات على التواصل أو معرفة مصير أقاربها تحت القصف. كما واجه الصحافيون صعوبات كبيرة في التوثيق. كما تحوّل الوصول إلى الشبكة أحياناً إلى مهمة خطرة تتطلب التنقل وسط القصف بحثاً عن نقاط اتصال محدودة.
وتصف أنثونيو ما يحدث في غزة والسودان بأنه مثال صارخ على تحوّل الإنترنت إلى “شريان حياة أساسي يجب حمايته”. وتقول: “عندما ينقطع الإنترنت، تتوقف الحياة. لا يستطيع الناس التواصل مع أحبائهم، أو تحذير بعضهم من الأخطار الوشيكة، أو طلب المساعدة. الصحافيون يفقدون الاتصال بمصادرهم، فيما يصبح العاملون في الطوارئ والإغاثة عاجزين عن تنسيق جهودهم بعدما تُقطع وسائل الاتصال”. وتضيف أن ملايين الأشخاص يُدفَعون إلى التعتيم الرقمي وسط الحروب، ما يعرقل وصول المساعدات الإنسانية ويُخفي الفظائع.
ففي السودان، الذي يعيش واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في إبريل/نيسان 2023، تحوّل الإنترنت بدوره إلى جزء من الصراع. فقد سجّل تقرير #KeepItOn ثلاث حالات قطع خلال 2025، بينها انقطاعات أثّرت على خدمات الهاتف المحمول والاتصالات في مناطق واسعة من البلاد، ما أعاق عمل فرق الإغاثة وعرقل وصول المدنيين إلى المعلومات والخدمات الأساسية. ولم يكن التعتيم الرقمي في السودان نتيجة قرارات الحجب فقط، بل أيضاً نتيجة الانهيار الواسع للبنية التحتية تحت وطأة الحرب. فمنذ الأسابيع الأولى للاشتباكات، تعطلت مقاسم اتصالات ومراكز بيانات بسبب انقطاع الكهرباء وصعوبة إيصال الوقود إلى المولدات، كما تعطلت تطبيقات مصرفية أساسية، بينما استخدم المدنيون الإنترنت لطلب الاستغاثة والبحث عن الطعام والدواء والمفقودين. ولم تتوقف الانقطاعات عند ظروف الحرب. ففي مايو/أيار الحالي، وجّه مجلس الوزراء السوداني شركات الاتصالات بقطع الإنترنت يومياً لنحو خمس ساعات خلال امتحانات الشهادة الثانوية، في خطوة تعكس إلى أي حد أصبح قطع الإنترنت ممارسة اعتيادية في المنطقة.
وفي إيران، التي سجّلت 11 حالة قطع خلال 2025، ترى “أكسس ناو” أن البلاد تمثل أحد أكثر نماذج السيطرة الرقمية تطرفاً في العالم. فمشروع “شبكة المعلومات الوطنية” الإيراني تجاوز، بحسب المنظمة، مرحلة الانقطاعات المؤقتة إلى نموذج دائم وأكثر تطوراً للسيطرة الرقمية. وتشير أنثونيو إلى أن إيران مسؤولة عما لا يقل عن 99 حالة قطع منذ 2016، وتفرض حالياً “أطول انقطاع وطني كامل ومتواصل في العالم منذ 28 فبراير/شباط 2026″، تاريخ بدء العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد. كما فرضت السلطات الإيرانية قيوداً مشددة على أدوات الاتصال الفضائي مثل “ستارلينك”، مع عقوبات قد تصل إلى السجن ومصادرة الأجهزة، بل الإعدام في بعض الحالات إذا اعتُبر الاستخدام “تجسساً” أو “عملاً ضد النظام”.
ولا يقتصر التعتيم الرقمي على الحروب وحدها. ففي العراق، سُجلت سبع حالات قطع خلال 2025، معظمها خلال الامتحانات العامة، فيما واصل الأردن والجزائر حجب تطبيقات المراسلة في أثناء الامتحانات، بينما استخدمت حكومات أخرى الحجب خلال الاحتجاجات والانتخابات. وترى أنثونيو أن هذه السياسات تكشف أن الإنترنت لم يعد يُنظر إليه باعتباره حقاً أساسياً، بل مساحة يمكن للدول إغلاقها كلما أرادت فرض السيطرة.
وترى أنثونيو أن أخطر ما في المشهد الحالي هو غياب المحاسبة الدولية الفعلية. وتقول: “القانون الدولي واضح: قطع الإنترنت ينتهك الحقوق الأساسية. ورغم الأحكام القضائية والإدانات الدولية، تواصل الحكومات فرض هذه الانقطاعات من دون محاسبة”. لكنها تضيف أن اعتراف المحكمة الجنائية الدولية بوجود صلة بين قطع الإنترنت والجرائم ضد الإنسانية قد يشكل نقطة تحول، وتؤكد أن المجتمع الدولي يجب أن ينتقل “من الإدانة إلى فرض عقوبات فعلية على المسؤولين”.
وفي وقت تدعو فيه الأمم المتحدة هذا العام إلى بناء “شرايين حياة رقمية” أكثر مرونة، تكشف الحروب والنزاعات من غزة إلى السودان وإيران أن هذه الشرايين نفسها أصبحت هدفاً مباشراً للقصف والقطع والسيطرة. ففي عالم اليوم، لم يعد الإنترنت مجرد وسيلة اتصال أو مساحة افتراضية، بل بنية نجاة أساسية، يمكن لفقدانها أن يعزل مدناً كاملة عن العالم، ويحوّل قطع الاتصال إلى امتداد مباشر للحرب على الأرض.




