اقتصاد إسرائيل في مأزق… نتائج الانتخابات تقلب الأسواق وتبدّل رهانات المستثمرين

انعكست نتائج الانتخابات الإسرائيلية غير الحاسمة سريعاً على الأسواق، فتراجع الشيكل أمام العملات الأجنبية، وهبطت مؤشرات بورصة تل أبيب في التعاملات الصباحية أمس، وسط مخاوف المستثمرين من استمرار المأزق السياسي، وتأخر تشكيل حكومة مستقرة وإقرار ميزانية الدولة. وصعد الدولار إلى نحو 3.08 شيكلات، بعدما تراجع خلال تداولات يوم الانتخابات، الثلاثاء الماضي، إلى ما دون 3.02 شيكلات. وارتفع اليورو إلى أكثر من 3.42 شيكلات. وجاء انعكاس اتجاه التداول بعد أن أظهرت النتائج الأولية صعوبة حسم الانتخابات لمصلحة أحد المعسكرين، على خلاف رهانات عززت الشيكل في اليوم السابق.
وفي بورصة تل أبيب، تراجع مؤشر “تل أبيب 35” بنحو 2.6%، أمس، وانخفض مؤشر “تل أبيب 90” بنحو 4.4% في التعاملات الصباحية. وتجاوزت خسائر مؤشري البناء والعقارات 5%، فيما تراجع مؤشر التأمين بنحو 5.5%، والبنوك بنحو 2.7%. وتغيرت مستويات الهبوط خلال الجلسة، مع استمرار تدفق نتائج الانتخابات. وقدمت صناديق متداولة في الولايات المتحدة تتبع الأسهم الإسرائيلية مؤشرات أولية إلى اتجاه السوق. وانخفض صندوق “إي آي إس” التابع لشركة “بلاك روك”، الذي يدير أصولاً تقارب 884 مليون دولار، بنحو 1.7% في التداولات اللاحقة لإغلاق السوق الأميركية، فيما تراجع صندوق “آي إس آر إيه” التابع لشركة “فان إيك”، الذي يدير نحو 160 مليون دولار، بنحو 0.7%. وتضم الصناديق أسهماً إسرائيلية، بينها بنوك وشركات تكنولوجيا وصناعات دفاعية.
تبدل رهانات المستثمرين
في تقرير نشرته صحيفة غلوبس أمس الأربعاء، ربط محللون تقلب الشيكل بتبدل رهانات المستثمرين مع تدفق نتائج الانتخابات. وقال رئيس مجلس إدارة شركة “الحصانات المالية” للاستشارات المالية وإدارة المخاطر، آدم رويتر، إن مستثمرين أجانب راهنوا، استناداً إلى استطلاعات الرأي، على سقوط حكومة بنيامين نتنياهو، واعتبروا ذلك إيجابياً للاقتصاد الإسرائيلي، ما أسهم – بحسب قوله- في ارتفاع الشيكل يوم الانتخابات رغم إغلاق السوق المحلية.
وقال مالك ومدير شركة “إنرجي فاينانس لإدارة المخاطر”، يوسي فرانك، إن الدولار تراجع من 3.12 إلى 3.075 شيكلات في آخر يوم تداول محلي قبل الانتخابات، بفعل رهانات على نتائجها، ثم تسارعت عملية إغلاق المراكز مع ظهور مؤشرات مغايرة لتوقعات المتعاملين. ووصف النشاط بأنه “مضاربي صرف، بل تلاعبي”.
ودعا كبير الاقتصاديين في بنك مزراحي تفحوت، رونين مناحم، إلى الحذر في قراءة ردة الفعل الأولية، معتبراً أن التقلب الحاد مألوف في سوق العملات خلال الأحداث السياسية. وقال إن وضوح الأفق الاقتصادي، وإقرار ميزانية مناسبة، وتحديد أولويات الإنفاق عوامل قد تدعم السوق، فيما ستبقي المفاوضات والتطورات الأمنية التقلبات مرتفعة. أما رئيس برنامج التمويل في المدرسة الدولية التابعة للكلية الأكاديمية أونو، إيدو كالير، فتوقع استمرار الضغوط على الشيكل بفعل تحركات المستثمرين الأفراد والمؤسسات نحو استثمارات مرتبطة بالأسواق الخارجية، ومراجعة المؤسسات لفروق الفائدة واستراتيجيات التحوط. وقدر أن يتجه الشيكل على المدى الطويل إلى نحو 3.3 شيكلات للدولار على الأقل، محذراً من أن التقلبات الأخيرة قد تسرّع هذا المسار.
حكومة انتقالية وقرارات مؤجلة
ومن جانبها، وضعت صحيفة كالكاليست نتائج الانتخابات في إطار مأزق سياسي يهدد بإطالة حالة الانتظار الاقتصادي. ووفق الصحيفة، لا تشير النتائج الأولية إلى تغيير سياسي حاسم أو استمرار واضح للحكومة القائمة، بل إلى احتمال مفاوضات طويلة وصعوبة تشكيل ائتلاف مستقر. وفي هذه الأثناء، تبقى الحكومة الحالية في موقعها بصلاحيات حكومة انتقالية، بينما تتأجل قرارات اقتصادية ومالية رئيسية. واعتبرت الصحيفة أن أول أثر مباشر لنتائج الانتخابات يتمثل في تعثر إقرار ميزانية 2027. وإذا لم تقر الميزانية مع بداية العام، فستعمل الدولة وفق ميزانية مؤقتة تُصرف بمعدل جزء من اثني عشر من ميزانية العام السابق شهرياً. ويوفر هذا النظام ضبطاً آلياً للإنفاق، لكنه لا يسمح بإعادة ترتيب الأولويات أو نقل الأموال بين البنود وفق الاحتياجات الجديدة، كما يقيّد إطلاق برامج حكومية وإصلاحات هيكلية.
ومن الملفات التي تنتظر قرارات حكومية تحديد موازنة الدفاع، ومستقبل التخفيض على ضريبة الوقود، وخدمات المراسلة المصرفية للبنوك الفلسطينية. كما تحتاج إسرائيل إلى استثمارات كبيرة في البنية التحتية وإعادة تأهيل منظومة التعليم، وإلى مواصلة تطوير قطاع الذكاء الاصطناعي. وتأخير هذه القرارات يضيف قدراً من الغموض إلى خطط الشركات والمستثمرين. ويظل قطاع التكنولوجيا المتقدمة أحد أبرز مصادر الدعم للاقتصاد الإسرائيلي. وتأتي نحو 70% من الأموال المتدفقة إلى هذا القطاع من الخارج، فيما شهد السوق صفقات استحواذ كبيرة، بينها شراء “إنتل” شركة “كلاسيك” الإسرائيلية المتخصصة في برمجيات الحوسبة الكمية، في صفقة قدرت قيمتها بنحو 2.2 إلى 2.3 مليار دولار. وتدعم هذه الصفقات الإيرادات والاستثمار، لكنها لا تحل محل قرارات الحكومة المتعلقة بالميزانية والسياسة الاقتصادية.
وأشار المحلل الاقتصادي في صحيفة كالكاليست، أدريان فيلوت، إلى أن استمرار الجمود قد يترك الاقتصاد من دون ميزانية جديدة، ومن دون قدرة على الالتزام ببرامج إنفاق أو نقل الموارد من بنود فقدت مبرراتها إلى قطاعات تحتاج إلى التمويل. ونبه إلى أن الحكومة السابقة تركت ملفات لا تحتمل التأجيل، من بينها الإنفاق الدفاعي، وسياسة ضريبة الوقود، ومشروعات البنية التحتية والتعليم والذكاء الاصطناعي. وتضع أرقام العجز والدين العام ضغوطاً إضافية على الموازنة المقبلة. فقد تجاوز العجز 3% من الناتج المحلي بعد أعوام سجل فيها مستويات أعلى، فيما يقترب الدين العام من 70% من الناتج. ويزيد استمرار المخاطر الأمنية والإقليمية من صعوبة تقدير الإنفاق العام، في ظل احتياجات الدفاع وإعادة البناء والخدمات.
ارتفاعات جديدة في أسعار الغذاء
ولا تقتصر الضغوط على الأسواق والمالية العامة. فقد ذكرت صحيفة كالكاليست أن أسعار الدقيق والبيض مرشحة للارتفاع في الأسبوع المقبل، فيما تدرس شركات الأغذية تمرير الزيادات إلى المستهلكين. ويأتي ذلك بالتزامن مع ارتفاع تكاليف الوقود والضرائب البلدية والأجور، ما يرفع كلفة الإنتاج والتوزيع.
ودعت التغطية الحكومة المقبلة إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لاحتواء الزيادات، بالتوازي مع خطوات طويلة الأجل لتعزيز المنافسة. وتشمل المقترحات إزالة القيود أمام الاستيراد، ولا سيما المنتجات الطازجة، وإعادة تفعيل إصلاحات الزراعة والدواجن التي أقرتها حكومات سابقة ثم توقفت، وزيادة تصاريح العمال الأجانب في القطاع الزراعي، وتشديد الرقابة على سلاسل التسويق الكبرى. كما تشمل المقترحات استكمال إصلاحات تستهدف تفكيك الاحتكارات وفتح سوق الإشراف على الأغذية الحلال أمام المنافسة. غير أن أثر تفكيك الاحتكارات قد يحتاج إلى سنوات كي يظهر في الأسعار، لذلك تبرز أهمية فتح السوق أمام الاستيراد وإزالة الحواجز بالتوازي مع الإصلاحات الهيكلية.




