الأسواق

لاغارد تعلن التنحي مبكراً عن منصبها كرئيسة المركزي الأوروبي في فبراير

تعتزم كريستين لاغارد عزمها مغادرة رئاسة البنك المركزي الأوروبي في 7 فبراير 2027، منهية ولايتها قبل نحو 8 أشهر من موعد انتهائها الرسمي في أكتوبر من العام نفسه، في خطوة تفتح الباب أمام معركة خلافة تعد من أهم المنافسات الاقتصادية في أوروبا.

وتولت لاغارد قيادة البنك المركزي الأوروبي عام 2019 خلفاً لماريو دراغي، لتصبح الرئيسة الرابعة للمؤسسة النقدية والثانية من فرنسا التي تشغل المنصب.

ويمهد قرار المغادرة لسباق حاسم لاختيار من سيقود السياسة النقدية لمنطقة اليورو التي تضم 21 دولة وأكثر من 350 مليون نسمة، في وقت تواجه فيه أوروبا مزيجاً معقداً من الضغوط الاقتصادية والجيوسياسية.

ويأتي الرحيل المرتقب في مرحلة حساسة بالنسبة للبنك المركزي الأوروبي، الذي يكافح موجة تضخم مرتفعة تفاقمت بفعل التداعيات الاقتصادية للحرب مع إيران، وسط تقلبات حادة في أسواق السندات وزيادة غير مسبوقة في الإنفاق الأوروبي على الدفاع والبنية التحتية.

دي كوس وكلاس نوت يتقدمان سباق الخلافة

برز اسم بابلو هيرنانديز دي كوس، المحافظ السابق لبنك إسبانيا والرئيس الحالي لبنك التسويات الدولية، إلى جانب كلاس نوت محافظ البنك المركزي الهولندي، كأبرز المرشحين لخلافة لاغارد.

وأظهرت استطلاعات لاقتصاديين أجرتها وكالة “بلومبرغ” خلال أكتوبر أن دي كوس يعد المرشح الأوفر حظاً لتولي المنصب، مستفيداً من خبرته الطويلة في العمل المصرفي المركزي الأوروبي والدولي.

وتصاعدت التكهنات حول مغادرة لاغارد خلال الأشهر الماضية بعدما رفضت مراراً تأكيد استكمال ولايتها الممتدة لثماني سنوات، في وقت تزايدت فيه الأحاديث عن احتمال انتقالها إلى قيادة المنتدى الاقتصادي العالمي المنظم لاجتماعات دافوس السنوية.

كما ألمحت لاغارد في مناسبات عدة إلى اهتمامها بلعب دور في الحملات السياسية للانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة العام المقبل، مع استبعادها الترشح للرئاسة بنفسها.

تحديات نقدية متزايدة

جاء إعلان الاستقالة بينما لا تزال الولايات المتحدة وإيران عاجزتين عن التوصل إلى اتفاق سلام دائم، وهو ما ساهم في إبقاء الضغوط التضخمية مرتفعة.

ورفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة خلال اجتماعي يونيو وسبتمبر، فيما تتوقع الأسواق مزيداً من التشديد النقدي خلال الفترة المقبلة لمواجهة الضغوط السعرية.

وتزامن ذلك مع ارتفاع عوائد السندات الحكومية حول العالم، بينما تركزت المخاوف بشكل خاص على أوضاع المالية العامة في فرنسا. وارتفع الفارق بين عوائد السندات الفرنسية لأجل عشر سنوات ونظيرتها الألمانية إلى أعلى مستوياته منذ عام 2011، ما أثار تكهنات بإمكانية تدخل البنك المركزي الأوروبي لدعم السوق إذا تفاقمت الضغوط.

ورغم تأكيد لاغارد أن توقعات البنك تشير إلى عودة التضخم تدريجياً نحو المستهدف بحلول نهاية 2027، فإن منتقديها قد يرون في قرار الرحيل تراجعاً عن تعهداتها السابقة بالبقاء في المنصب خلال فترة تتزايد فيها التحديات الاقتصادية.

إعادة رسم موازين القوى الأوروبية

أعاد القرار فتح النقاش حول استقلالية البنك المركزي الأوروبي، إذ يتيح الجدول الزمني الجديد للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المشاركة في اختيار خليفتها قبل انتهاء ولايته الرئاسية الأخيرة.

ويكتسب هذا البعد السياسي أهمية إضافية مع استمرار تقدم زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان في استطلاعات الرأي الخاصة بالانتخابات الرئاسية المقبلة.

كما تتزامن عملية اختيار الرئيس الجديد للبنك المركزي الأوروبي مع تغييرات واسعة في المناصب الاقتصادية الأوروبية، إذ تستعد إيزابيل شنابل لمغادرة مجلس إدارة البنك قبل عام من انتهاء ولايتها للانتقال إلى صندوق النقد الدولي، فيما تنتهي أيضاً ولاية كبير الاقتصاديين فيليب لين في مايو المقبل.

ومن المرجح أن تسعى الحكومات الأوروبية إلى التوصل إلى تسوية شاملة تشمل المناصب الثلاثة دفعة واحدة لضمان توازن جغرافي وسياسي داخل المؤسسة النقدية الأهم في القارة.

اختبار لاستقلالية المركزي الأوروبي

يحمل رحيل لاغارد المبكر أبعاداً تتجاوز مجرد تغيير القيادة، إذ يأتي في لحظة تواجه فيها أوروبا تحديات تضخم وتمويل وعجز مالي متصاعدة، بينما تزداد أهمية البنك المركزي الأوروبي كركيزة للاستقرار الاقتصادي. وبينما ينشغل المستثمرون بهوية الرئيس المقبل، يبقى السؤال الأهم هو ما إذا كان خليفتها سيتمكن من تحقيق التوازن بين احتواء التضخم ودعم النمو والحفاظ على استقلالية المؤسسة بعيداً عن التجاذبات السياسية المتزايدة داخل الاتحاد الأوروبي.

زر الذهاب إلى الأعلى