من القانون إلى الكود، ومن التشريع إلى التوكن: الأردن يبني سيادته الرقمية بعقول تصنع المستقبل”

بقلم: د. مروة بنت سلمان آل صلاح.
مطور للمدن الذكية والاقتصاد الرقمي باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.
في عالم يتحول بسرعات مذهلة، لم تعد التكنولوجيا مجرد خيار تنموي، بل أصبحت شرطا للبقاء في قلب المعادلة الاقتصادية العالمية. وقد فهم الأردن هذه الحقيقة مبكرا، لكنه لم يركض في سباق محموم خلف الصرعات الرقمية، بل اختار أن يعيد ترتيب أدواته وفق مسار وطني مدروس، يحترم الهوية، ويصوغ التنمية بوصفها مشروعا سياديا قبل أن تكون خيارا تقنيا.
التحول الرقمي في الأردن لم يكن حدثا عابرا أو قرارا بيروقراطيا فوقيا، بل جاء كنتيجة لتراكمات استراتيجية بدأت من بنية تشريعية رشيدة، مرورا بتحديث إداري، وصولا إلى تفكير اقتصادي يؤمن بأن التقنية ليست غاية، بل وسيلة لتحقيق العدالة والكفاءة والسيادة المعلوماتية. لم تكن الرقمنة في البلاد مجرد “انتقال إلكتروني”، بل شكلت بوابة نحو مشروع تحولي واسع الأفق، يهدف إلى بناء ثقة مجتمعية ومؤسساتية بمنظومة رقمية وطنية قادرة على حماية الحقوق، وتحفيز النمو، ومجاراة العالم دون أن تتخلى عن ثوابتها.
ولأن الثقة هي ركيزة كل انتقال رقمي ناجح، كان لا بد من حماية هذه الثقة عبر حوكمة تقنية متقدمة. وهنا تحديدا ظهرت خصوصية النموذج الأردني، حيث لم تنتظر الدولة التحديات لتشرع، بل استبقت المتغيرات بقوانين نوعية مثل قانون حماية البيانات الشخصية وقانون المعاملات الإلكترونية، مما أوجد أرضية تشريعية شفافة تطمئن المواطن والمستثمر معا، وتشعر الجميع أن الفضاء الرقمي الأردني ليس ساحة منفلتة، بل بيئة مؤطرة برؤية قانونية متماسكة.
وفي خضم هذا البناء المتماسك، بدأ مفهوم “التوكن” يتسلل بهدوء إلى الخطاب الرقمي، ليس كموضة تقنية، بل كمفهوم جديد يعيد تعريف العلاقة بين الأفراد والنظام الاقتصادي. فالتوكن، في جوهره، لا يمثل مجرد أصل رقمي أو وحدة مشفرة، بل هو انعكاس لرؤية جديدة للقيمة — قيمة لا تختزل في النقد، بل تمتد إلى الملكية والهوية والثقة. التجربة الأردنية بدت مؤهلة لهذا النوع من الانتقال، لأنها وضعت الأساسات اللازمة للشفافية، وربطت التقنية بالإطار السيادي لا التسويقي.
ومن هذه النقطة بالتحديد، يمكن تخيل انبثاق مشروع توكن وطني ذكي، مثل “Jordanverse Token”، لا ليكون عملة بديلة، بل ليفتح آفاقا جديدة في التعامل مع الدولة كمزود خدمات رقمية. فالمواطن قد يدفع مقابل خدمته باستخدام هذا التوكن، أو يدخل به إلى تجربة سياحية رقمية عبر المتاحف الافتراضية، أو يكافأ عبره على تفاعله مع منصات التعليم والصحة والضريبة. حتى تمويل الابتكار لم يعد حكرا على المنح التقليدية، بل يمكن أن يتحول التوكن إلى أداة دعم مباشرة للشركات الناشئة والمشاريع الصغيرة، ضمن منظومة متكاملة تشرف عليها الدولة، وتضمن فيها الشفافية والعدالة الرقمية.
وعلى المستوى الاجتماعي، يمثل التوكن فرصة لإعادة توزيع الثقة بين الدولة والمجتمع، فهو يتيح للمواطن أداة تفاعلية، تمنحه إحساسا بالمشاركة في صنع القرار الاقتصادي، كما يفتح الباب أمام من كانوا على هامش الاقتصاد الرسمي للدخول في دورة إنتاج رقمية عادلة. أما ثقافيا، فإن التوكنات غير القابلة للاستبدال (NFT) تمكن الأردن من توثيق تراثه وتاريخه بطريقة رقمية، تمنح الرموز الثقافية قيمة مادية ومعنوية على السواء، وتحول الحرف، والموسيقى، والرموز الشعبية، إلى محتوى اقتصادي متجدد يمكن تداوله عالميا. هذه ليست مجرد تقنية، بل وسيلة لصون الهوية في عصر يتآكل فيه المعنى بسرعة الضوء.
ولا يمكن لهذا التحول أن ينجح دون دور جوهري للبنوك والقطاع المالي، الذين يشكلون العمود الفقري للحركة الاقتصادية. على البنوك أن تتخطى دور الوسيط التقليدي، لتصبح منصة تقنية توفر خدمات متقدمة مثل المحافظ الذكية، والتصنيف الائتماني الرقمي، وأنظمة التحقق القائمة على البلوكشين. البنوك الأردنية لديها من الكفاءات والبنية ما يمكنها من احتضان التوكن كمكمل للسيولة، وكمحفز للتمويل الأصغر، خاصة في المجتمعات الطرفية التي تعاني من نقص الوصول إلى الخدمات المالية. وهكذا، يتحول النظام البنكي من مؤسسة تقليدية إلى شريك في التحول الوطني.
ومن جهة أخرى، لا بد أن يكون العقل الجامعي في صلب هذا المشروع. فمراكز الأبحاث في الجامعات الأردنية تمتلك الكفاءات والأدوات لبناء مختبرات رقمية تعالج التوكن ليس كمصطلح، بل كممارسة اقتصادية قابلة للقياس والتطوير. يمكن للطلبة أن يصمموا نماذج لعقود ذكية تطبق في مجالات الرعاية الصحية والتعليم، أو أن يطوروا تطبيقات تساعد على إدارة المشاريع الصغيرة ضمن بيئة آمنة وغير مركزية. في هذه اللحظة، يتحول الطالب من متلق للمعرفة إلى شريك في صناعتها، ومن مستخدم للتقنية إلى فاعل يعيد صياغتها بما يتناسب مع البيئة المحلية.
وقد يظن البعض أن التحول إلى التوكن يتطلب تبني اللامركزية المطلقة، لكن هنا بالضبط تتجلى خصوصية التجربة الأردنية. فبينما تتيح تقنيات مثل البلوكشين قدرا عاليا من اللامركزية، يبقى القرار السيادي مؤطرا ضمن حوكمة وطنية رصينة. والذكاء هنا ليس في رفض اللامركزية، بل في ترويضها، وتوظيفها في بناء منظومة تراعي حقوق الأفراد دون أن تفرط بمصلحة الدولة العليا.
إن الخطاب التكنولوجي الأردني ظل متزنا، لا يرفع الشعارات البراقة، بل ينطلق من أرضية واقعية تفهم حدود الممكن وتدير طموحاتها بنضج. فبينما كانت دول أخرى تسوق للتقنية كمادة إعلامية، اشتغل الأردن على تطوير بنية قانونية ومؤسسية تراكمية، تؤسس لاقتصاد رقمي ذكي، مستقر، متنوع، وشفاف.
وهكذا، لم يعد من المستغرب أن تتجه الأنظار نحو الأردن كنموذج إقليمي يمكن أن يصدر خبراته في التحول الرقمي إلى دول الجوار، خاصة تلك التي ما زالت تحاول أن تبني ركائزها القانونية والمؤسساتية. والمفارقة هنا أن التحول الأردني لم يأت من فائض الموارد، بل من عمق الإرادة. من فهم هادئ أن العالم لا ينتظر أحدا، وأن المستقبل لا يصنع فقط بمن يملك التكنولوجيا، بل بمن يحسن قراءتها واستيعابها وتطويعها بما يخدم الإنسان.
وفي الختام التحول يبدأ حين نعيد تعريف القيمة
لقد أدرك الأردن، في صمت حكيم، أن العالم يتجه نحو عصر جديد لا تقاس فيه القوة بحجم الموارد، بل بمرونة السياسات، وشفافية البيانات، وذكاء البنية الرقمية. وفي قلب هذا التحول، يبرز التوكن لا كوسيلة مالية فحسب، بل كمفهوم شامل يعيد تعريف العلاقات الاقتصادية والاجتماعية.
حين نزرع الثقة في الأنظمة، ونعزز السيادة في التقنية، ونحفظ الحقوق في السلسلة الرقمية، نكون لا نبني اقتصادا رقميا فحسب، بل نصوغ مستقبلا مستداما بهوية وطنية رقمية، يقوده شعب واع، وتدعمه قيادة تؤمن أن التكنولوجيا ليست هدفا بل وسيلة للكرامة والعدالة والتنمية.