
الدكتورة مروة بنت سلمان آل صلاح
في لحظة وطنية شديدة الحساسية، لم تعد أزمة المياه في الأردن ملفًا خدميًا عابرًا، ولا قضية موسمية تستدعى مع كل صيف أو انقطاع، بل تحولت إلى مرآة سيادية دقيقة تكشف عمق التحديات البنيوية التي تواجه الدولة الحديثة في إدارة مواردها الحيوية. ما شهدته المملكة مؤخرا من انقطاعات متكررة في التزويد لم يكن خللا تقنيا طارئا ولا ظرفا استثنائيًا، بل نتيجة تراكب معقد بين شح طبيعي قاس، وضغوط ديموغرافية ممتدة، وبنية تحتية استنزفت لعقود، وعامل سياسي إقليمي طالما أدير بحذر رغم أثره المباشر في الأمن المائي الوطني.
الأردن اليوم يقف في قلب معادلة مائية غير متوازنة. متوسط نصيب الفرد السنوي من المياه لا يتجاوز نحو ستين مترًا مكعبًا، وهو رقم يضع المملكة في ما دون خط الفقر المائي الحاد بأضعاف، ويجعل كل قرار إداري وكل قطرة ماء مسألة ذات بعد استراتيجي. الحاجة الفعلية للاقتصاد والسكان تفوق المتاح بكثير، ما يدفع الدولة إلى حلول تعويضية عالية الكلفة، من تحلية وضخ لمسافات طويلة، واستنزاف محسوب للأحواض الجوفية غير المتجددة. تشير التقديرات العامة، إلى أن كلفة تعويض النقص المائي عبر هذه الحلول تبلغ مئات الملايين سنويًا، وهو عبء ثقيل على دولة محدودة الموارد، لكنه يصبح حتميًا في ظل واقع إقليمي لا يراعي عدالة التوزيع.
هذا الواقع، لا يمكن فهمه بمعزل عن البعد الجيوسياسي. فالمياه في الأردن ليست موردا طبيعيًا فحسب، بل قضية سيادة مكتملة الأركان. السيطرة الإسرائيلية على المنابع والموارد المائية المشتركة، خصوصًا في حوض نهر الأردن واليرموك، قلصت فعليًا الحصة الأردنية، مقارنة بما هو منصوص عليه في الاتفاقيات. التدفقات التاريخية لنهر الأردن تراجعت بأكثر من تسعين في المائة عما كانت عليه في منتصف القرن الماضي، نتيجة السحب والتحويل المكثف من المنابع، ما حول النهر من شريان إقليمي إلى مجرى محدود الأثر على الضفة الشرقية. هذا التحول الصامت للمياه لا يظهر فقط في تقارير الخبراء، بل يتجسد يوميًا في الانقطاعات، والتقنين القاسي، وكلفة البدائل التي يتحملها المواطن.
في دولة تدار فيها الندرة لا الوفرة، تصبح الإدارة الذكية للمياه شكلًا من أشكال الدفاع غير العسكري عن السيادة. فكل نقص خارجي غير قابل للتعويض بالقوة، يفرض تعويضًا داخليًا بالكفاءة، والعدالة، والحوكمة الصارمة. غير أن الأزمة لا تتوقف عند حدود السياسة الإقليمية؛ إذ تتضاعف داخليًا بفعل فاقد مائي مرتفع يتجاوز أربعين في المائة، من إجمالي المياه المضخوخة، نتيجة تسربات في شبكات قديمة، واعتداءات غير قانونية، وغياب المراقبة اللحظية الدقيقة. بمعنى أكثر وضوحًا، الأردن يخسر المياه مرتين: مرة خارج حدوده بفعل اختلالات القوة، ومرة داخل شبكاته بفعل أدوات إدارة تقليدية لم تعد صالحة لهذا العصر.
هذا الواقع ينعكس مباشرة على حياة الناس. حين تصل المياه لساعات محدودة أسبوعيًا في بعض المناطق، تتغير أنماط الحياة، وتتأثر الصحة العامة، وترتفع كلفة المعيشة مع الاعتماد على صهاريج خاصة بأسعار تفوق كلفة المياه العامة بأضعاف.
الأخطر من ذلك أن الانقطاعات تترافق غالبًا مع فواتير لا تعكس الاستهلاك الحقيقي، نتيجة الاعتماد على قراءات تقديرية أو غير دقيقة، ما يعمّق شعور الظلم ويقوّض الثقة بين المواطن والمؤسسة. في بيئة مائية شحيحة، العدالة في القياس ليست تفصيلًا إداريًا، بل ركيزة من ركائز الاستقرار الاجتماعي.
من هنا، لم يعد التحول الرقمي في قطاع المياه ترفًا تقنيًا أو مشروعًا تجميليًا، بل ضرورة سيادية بامتياز. الذكاء الاصطناعي، حين يُوظَّف بعمق في إدارة الشبكات، لا يكتفي بتحسين الكفاءة التشغيلية، بل يعيد تعريف العلاقة مع المورد نفسه. عبر تحليل أنماط الاستهلاك، ومراقبة الضغوط في الزمن الحقيقي، واكتشاف التسربات فور حدوثها، يمكن تقليص الفاقد، وتحسين التوزيع، واتخاذ قرارات استباقية بدل الاكتفاء بردّ الفعل بعد تفاقم الأزمة. في دولة محدودة المياه، هذا النوع من الإدارة يحمي الأمن الاجتماعي بقدر ما يوفر المال.
العدادات الرقمية، تمثل نقطة التحول الأكثر حساسية في هذه المنظومة. الانتقال من القراءة التقديرية إلى القياس اللحظي الدقيق ينقل العلاقة بين المواطن وشركة المياه من افتراض إلى شفافية، ومن شك إلى بيانات. القراءة الفعلية تمنح المواطن أداة وعي ورقابة على استهلاكه، وتمنح المؤسسة أساسًا عادلًا للفوترة، وتغلق الباب أمام فروقات سعرية غير مبررة. التجارب المقارنة في دول تعاني شحًا مشابهًا تشير إلى أن مجرد إتاحة بيانات الاستهلاك الدقيقة خفّض الطلب المنزلي بنسب ملموسة، لا قسرا، بل بتغيير السلوك.
وعندما تُدمج هذه العدادات بأنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة، تتحول البيانات إلى أداة سياسات عامة. يمكن للنظام التنبؤ بارتفاعات غير طبيعية تشير إلى تسرب داخلي لدى المشترك، أو خلل في الشبكة، ويمكنه توجيه فرق الصيانة بدقة، وإعادة تصميم سياسات التسعير بشكل أكثر عدالة، يراعي الشرائح الاجتماعية، ويكافئ السلوك المسؤول، دون تحميل الفئات الأقل دخلًا كلفة أزمة لم تصنعها. هنا، يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة كفاءة تقنية إلى أداة سيادة مائية، تقلّص أثر السيطرة الخارجية عبر تعظيم قيمة المتاح داخليًا.
في هذا السياق الأوسع، لا يمكن تجاهل حقيقة أن المياه تحوّلت في الشرق الأوسط إلى أداة ضغط إقليمي، تُستخدم بوعي استراتيجي ضمن معادلات النفوذ لا أقل من الطاقة أو الأمن الغذائي. التحكم بالمنابع، وبكميات الضخ، وبمواعيد التزويد، لم يعد مسألة فنية أو اتفاقيات فقط، بل بات جزءًا من أدوات الردع غير العسكري. في منطقة تُصنّف من الأكثر هشاشة مائيًا عالميًا، يصبح التحكم بالمياه وسيلة لإعادة رسم موازين القوة، وإخضاع الدول الأضعف مائيًا لخيارات قسرية تمسّ استقرارها الداخلي وقدرتها على التخطيط طويل الأمد. الأردن، بحكم موقعه الجغرافي واعتماده على مصادر مشتركة وعابرة للحدود، يقع في قلب هذا الاشتباك الصامت، حيث تُدار المياه أحيانًا كوسيلة ابتزاز سياسي أكثر منها موردًا طبيعيًا مشتركًا.
ومع تسارع التغيرات المناخية، وازدياد موجات الجفاف، وتراجع معدلات الهطل، تشير التقديرات الدولية، إلى أن النزاعات المستقبلية في المنطقة لن تكون بالضرورة على النفط أو الحدود التقليدية، بل على المياه. الحرب المقبلة، إن وقعت، ستكون حربا على الموارد، والمياه في مقدمتها. وهذا ما يجعل الاستثمار في الإدارة الذكية للمياه ليس استجابة لأزمة حالية فحسب، بل استعدادًا استراتيجيًا لسيناريوهات إقليمية أكثر تعقيدًا. فالدولة التي تمتلك القدرة على التنبؤ، والقياس الدقيق، وتقليل الهدر، وتوزيع الموارد بعدالة، تكون أقل عرضة للضغط الخارجي، وأكثر قدرة على الصمود في وجه تحولات مناخية وسياسية قد تعيد تعريف شكل الصراع في المنطقة بأكملها.
أثر هذا التحول يتجاوز تحسين الخدمة اليومية. استقرار التزويد المائي ينعكس مباشرة على الصحة العامة، ويقلل الاعتماد على مصادر غير مراقبة، ويدعم القطاعات الإنتاجية التي تحتاج إلى مورد مستقر للتخطيط والاستثمار. كما يعزز ثقة المواطن بالمؤسسة، وهي ثقة لا تقل أهمية عن أي مشروع مائي ضخم. ففي ظل واقع إقليمي غير عادل، لا يمكن استعادة الحقوق بالقوة، لكن يمكن تحصين الجبهة الداخلية بالحوكمة والشفافية والعدالة.
الخلاصة، أن أزمة المياه في الأردن ليست أزمة طبيعة فقط، ولا إدارة فقط، ولا سياسة فقط، بل أزمة مركّبة تتطلب رؤية مركّبة. ندرة المياه حقيقة لا يجوز تهميشها، لكن تحويل هذه الحقيقة إلى دافع لبناء منظومة داخلية أكثر كفاءة هو الخيار الأذكى والأكثر واقعية. الذكاء الاصطناعي، والعدادات الرقمية، وإصلاح البنية التحتية ليست أدوات صامتة، بل أدوات سيادة حديثة، تُدار بها الندرة بكرامة.
وحين ينجح الأردن في إدارة القليل بعدل وذكاء، فإنه لا يحمي حاضره فحسب، بل يؤسس لعقد مائي جديد مع مواطنيه، ويصون حق الأجيال القادمة في مورد لا غنى عنه للحياة. فالدول لا تُقاس فقط بما تملك من مياه، بل بقدرتها على حماية ما لديها، وإدارة ما فُرض عليها بحكمة، وتحويل التحدي إلى نموذج صمود يحتذى.
* مطورة للمدن الذكية والاقتصاد الرقمي



