آراء إقتصادية

فجوة الثقة والاستهلاك: لماذا يواصل المستهلكون الإنفاق رغم تشاؤمهم من الاقتصاد؟

 

شبكة النبأ

مؤشرات معنويات المستهلك وثقته لا تزال مهمة، لكنها لم تعد تملك وحدها سلطة تفسير السلوك الاستهلاكي. فقد أظهرت مرحلة ما بعد الجائحة أن المستهلك قد يكون قادراً على الشراء وغير راضٍ في الوقت نفسه؛ وقد يكون الاقتصاد قوياً في بياناته الكلية ومؤلماً في تجربته اليومية؛ وقد ترتفع المبيعات بينما…

تبدو العلاقة بين مزاج المستهلكين وسلوكهم الاقتصادي، للوهلة الأولى، علاقة بديهية: حين يشعر الناس بالثقة في الاقتصاد يزيدون إنفاقهم، وحين يسيطر عليهم الخوف أو التشاؤم يقلّصون مشترياتهم. غير أن السنوات التي أعقبت جائحة كوفيد-19 كشفت عن مفارقة لافتة في الاقتصاد الأميركي، وربما في اقتصادات أخرى بدرجات متفاوتة: المستهلكون يقولون إن الاقتصاد سيئ، لكنهم في الوقت نفسه يواصلون الشراء والإنفاق عند مستويات مرتفعة، بل قياسية أحياناً. هذه المفارقة لا تمسّ علم الاقتصاد وحده، بل تمسّ السياسة النقدية، واستراتيجيات الشركات، وقراءة المستثمرين للأسواق، وحتى المزاج السياسي والاجتماعي العام.

تستند هذه الدراسة إلى مجموعة مقالات وتحليلات منشورة في Investopedia حول ثقة المستهلك، ومعنويات المستهلك، ومؤشر جامعة ميشيغان لمعنويات المستهلك، والإنفاق الاستهلاكي، والعوامل الاقتصادية المؤثرة في الطلب على السلع الاستهلاكية. وتخلص إلى أن المؤشرات النفسية التقليدية، مثل مؤشر ثقة المستهلك ومؤشر معنويات المستهلك، لم تعد كافية وحدها للتنبؤ بما سيفعله المستهلك فعلياً بماله، خاصة بعد 2020، حيث ظهرت فجوة متزايدة بين “ما يقوله الناس” و“ما يفعلونه” في السوق. فقد اصبح الارتباط بين معنويات المستهلك والإنفاق الاستهلاكي ضعيفاً منذ 2020، وأن الإنفاق ومبيعات التجزئة سجلا مستويات قياسية في وقت كانت فيه مؤشرات المعنويات تهبط إلى مستويات متدنية تاريخياً.

تطرح هذه الظاهرة سؤالاً: هل فقدت مؤشرات الثقة والمعنويات قيمتها التحليلية؟ الإجابة الأدق ليست نعم أو لا، بل إن هذه المؤشرات انتقلت من كونها أدوات شبه مباشرة لتوقع الإنفاق إلى أدوات لفهم الحالة النفسية، والضغط الاجتماعي، والشعور بالتضخم، وعدم الرضا عن نوعية النمو الاقتصادي. لم يعد انخفاض المعنويات يعني بالضرورة انخفاض الإنفاق فوراً، كما لم يعد ارتفاع الإنفاق يعني بالضرورة شعوراً عاماً بالرضا. لذلك يحتاج الباحث والمستثمر وصانع القرار إلى قراءة مركبة تجمع بين الدخل، والتوظيف، والأسعار، وأسعار الفائدة، والائتمان، وسلوك الأسر الفعلي، لا الاعتماد على الاستبيانات وحدها.

ما المقصود بالإنفاق الاستهلاكي ولماذا يحتل هذه الأهمية؟

الإنفاق الاستهلاكي هو مجموع ما ينفقه الأفراد والأسر على السلع والخدمات النهائية للاستخدام الشخصي. وهو ليس مجرد بند من بنود الحياة اليومية، بل يمثل محركاً رئيسياً للطلب الكلي والنشاط الاقتصادي، لأن السلع والخدمات التي يشتريها الناس يجب أن تُنتج أولاً، ما يعني أن الاستهلاك يدفع الإنتاج والتوظيف والاستثمار وسلاسل التوريد. فالإنفاق الاستهلاكي يعد مكوناً رئيسياً في الأداء الاقتصادي والناتج المحلي الإجمالي، وأن عادات الإنفاق تؤثر في الطلب، والسياسات العامة، واستراتيجيات الشركات.

في الاقتصاد الأميركي تحديداً، يحظى الإنفاق الاستهلاكي بمكانة خاصة لأنه يشكل حصة ضخمة من الناتج المحلي الإجمالي. حيث أن الاستهلاك قد يتراوح في اقتصادات السوق بين 50% و75% من الناتج المحلي الإجمالي، وأنه يبلغ نحو 65% في الولايات المتحدة، بينما نفقات الاستهلاك الشخصي بلغت نحو 67.7% من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي في الربع الثاني من 2024. هذه الأرقام تفسر لماذا يراقب الاقتصاديون والمستثمرون وصانعو السياسات مزاج المستهلكين بعناية: فإذا كان المستهلك هو محرك ثلثي الاقتصاد تقريباً، فإن أي تغير واسع في رغبته أو قدرته على الشراء يمكن أن ينعكس سريعاً على النمو، والأرباح، والتضخم، وأسعار الفائدة.

غير أن الإنفاق الاستهلاكي ليس كتلة واحدة متجانسة. فالإنفاق على الغذاء، والدواء، والسكن، والطاقة، يختلف عن الإنفاق على السيارات، والإلكترونيات، والمجوهرات، والسفر، والترفيه. الأولى أقرب إلى الضروريات أو السلع ذات الطلب الأقل مرونة، بينما الثانية أكثر حساسية للدخل، والائتمان، والثقة، وأسعار الفائدة. لذلك قد يستمر إجمالي الإنفاق في الارتفاع حتى حين يشعر الناس بالتشاؤم، لا لأنهم يعيشون رخاءً نفسياً، بل لأن الأسعار ارتفعت أو لأنهم مضطرون للإنفاق على ضروريات لا يمكن تأجيلها. وقد تزيد قيمة الإنفاق الاسمية، بينما لا يشعر المستهلك بتحسن حقيقي في مستوى معيشته.

هذا التمييز أساسي لفهم المفارقة الحالية. فارتفاع الإنفاق لا يعني دائماً تحسن الرفاه. قد يكون المستهلك ينفق أكثر لأنه يشتري أكثر، وقد ينفق أكثر لأنه يدفع سعراً أعلى للكمية نفسها، وقد ينفق أكثر لأنه يعتمد على الائتمان، أو لأنه حصل على وظيفة إضافية، أو لأنه يسحب من مدخراته، أو لأنه يؤجل الادخار للمستقبل. ومن هنا فإن قراءة الإنفاق دون قراءة الدخل الحقيقي، والتضخم، والديون، وسعر الفائدة، ونوعية السلع المشتراة، قد تؤدي إلى استنتاجات مضللة.

معنويات المستهلك وثقة المستهلك بين التشابه والاختلاف

غالباً ما تُستخدم عبارتا “ثقة المستهلك” و“معنويات المستهلك” كما لو كانتا شيئاً واحداً، لكن بينهما فروقاً منهجية مهمة. فكلاهما يقيس نظرة الأسر إلى أوضاعها المالية وإلى الاقتصاد، وكلاهما يُستخدم لفهم استعداد الناس للإنفاق، لكنهما يختلفان في الجهة التي تصدر المؤشر، وحجم العينة، وطبيعة الأسئلة، وتوقيت الإصدار، والحساسيات التي يلتقطها كل مؤشر.

ان مؤشر ثقة المستهلك الصادر عن Conference Board يستند إلى عينة من آلاف الأسر، ويركز على ظروف الأعمال والعمل والدخل، بينما يستند مؤشر جامعة ميشيغان لمعنويات المستهلك إلى عينة أصغر، ويولي اهتماماً أكبر بتوقعات الأسر حول الاقتصاد والأوضاع المالية والشراء. ويميل مؤشر Conference Board إلى التقاط مؤشرات سوق العمل والأمان الوظيفي بصورة أوضح، بينما يكون مؤشر ميشيغان أكثر حساسية لقضايا “دفتر الجيب” اليومية مثل أسعار البنزين.

يتكون مؤشر ثقة المستهلك من أسئلة حول أوضاع الأعمال الحالية والمتوقعة خلال ستة أشهر، وظروف التوظيف الحالية والمتوقعة، وتوقعات دخل الأسرة. أما مؤشر ميشيغان فيتناول محاور مثل الأوضاع الاقتصادية الحالية، الوضع المالي الشخصي الحالي والمتوقع، ظروف شراء السلع المعمرة، وأوضاع الأعمال خلال سنة وخمس سنوات. لذلك قد يعطي المؤشران إشارات مختلفة في الفترة نفسها؛ فإذا كانت سوق العمل قوية لكن أسعار الوقود والغذاء مرتفعة، قد يظهر مؤشر الثقة المرتبط بالوظائف أكثر تماسكاً من مؤشر المعنويات المرتبط بالشعور اليومي بتكاليف المعيشة.

يعود مؤشر ميشيغان إلى أربعينيات القرن العشرين، ويرتبط بأعمال جورج كاتونا في جامعة ميشيغان. وهو استطلاع شهري يجمع آراء المستهلكين بشأن أوضاعهم المالية الشخصية وحالة الاقتصاد الأميركي على المديين القصير والطويل. وتنشر الجامعة قراءة أولية في منتصف الشهر وقراءة نهائية في نهايته، ما يجعله مؤشراً متابعاً بدقة من الأسواق والإعلام وصناع القرار.

مع ذلك، فإن قيمة هذه المؤشرات لا تكمن في قراءة شهرية منفردة. فتحليل مؤشرات المعنويات ينبغي أن يركز على الاتجاه عبر أربعة أو خمسة أشهر، لا على رقم شهر واحد، لأن التركيز على تغير شهري صغير أو مقارنة مع الشهر السابق فقط قد يكون مضللاً. وهذه ملاحظة منهجية مهمة: الاقتصاد لا يتحرك عادة وفق رد فعل واحد، بل وفق اتجاهات متراكمة. لكن المفارقة المعاصرة أن المشكلة لم تعد فقط في قراءة شهر واحد، بل في أن العلاقة التاريخية نفسها بين الاتجاه النفسي والإنفاق الفعلي أصبحت أضعف بعد الجائحة.

الفرضية التقليدية: المزاج يقود الإنفاق

قبل صدمة كوفيد-19 وما تلاها من تضخم مرتفع واضطرابات في سلاسل الإمداد وسوق العمل، كانت الفرضية العملية لدى كثير من الاقتصاديين والمستثمرين تقول إن المستهلك المتفائل يميل إلى الإنفاق، والمستهلك المتشائم يميل إلى الادخار أو تقليص النفقات. ومنطق هذه الفرضية واضح: إذا شعر الفرد بأن وظيفته آمنة، ودخله سيرتفع، والأسعار مستقرة، فإنه يكون أكثر استعداداً لشراء سيارة أو منزل أو أجهزة منزلية أو السفر. أما إذا شعر بأن الركود قادم أو أن وظيفته مهددة أو أن الأسعار تفوق دخله، فإنه يؤجل المشتريات غير الضرورية.

هذه الفرضية العامة عند الحديث عن العوامل المؤثرة في الطلب على السلع الاستهلاكية. فالطلب يرتفع عادة عندما يكون التوظيف مرتفعاً، والأجور آخذة في الزيادة، والثقة قوية، بينما تؤدي معدلات التضخم وأسعار الفائدة المرتفعة إلى إضعاف الطلب، خاصة على السلع الاختيارية والمعمرة. كذلك فإن ارتفاع ثقة المستهلك قد يدفع الأفراد إلى استخدام الائتمان والقيام بمشتريات كبيرة، ما يحرك الطلب الكلي إلى اليمين ويحفز الإنتاج والائتمان وسوق العقارات.

هذه العلاقة تجعل مؤشرات المعنويات مغرية للمحللين. فهي تظهر قبل كثير من بيانات الإنفاق التفصيلية، وتقدم إشارة مبكرة عن استعداد الأسر للشراء. لذلك كانت الشركات والمستثمرون ينظرون إليها كأداة للتنبؤ بالمبيعات، خصوصاً في قطاعات مثل السيارات، والإلكترونيات، والسلع المنزلية، والترفيه، والسفر، والتجزئة.

لكن المشكلة أن المؤشرات القائمة على الاستبيانات تقيس ما يصرح به الناس، لا ما يفعلونه فعلاً. والناس قد يبالغون في التشاؤم أو التفاؤل تبعاً للإعلام، أو الانتماء السياسي، أو حادثة أسعار بارزة، أو تجربة شخصية حديثة. كما أن الفرد قد يقول إن الاقتصاد سيئ ثم يشتري لأنه مضطر، أو لأنه لا يرى بديلاً، أو لأن دخله الاسمي ارتفع، أو لأن الإنفاق بات ضرورياً للحفاظ على نمط حياة سابق. وبالتالي فإن المعنويات ليست مرآة صافية للسلوك، بل مرآة مشوشة تتداخل فيها القدرة، والرغبة، والضغط، والهوية، والتوقعات.

ما الذي تغير بعد الجائحة؟

تقدم مقالة نشرتها منصة Investopedia مؤخرا مثالاً صارخاً على التحول. فقد رصدت أن الأميركيين منذ الجائحة يقولون إن الاقتصاد سيئ بينما يشترون أكثر فأكثر. ووفقاً للمقالة، أظهرت دراسات من Big Chalk ومن باحثين في الاحتياطي الفيدرالي أن الارتباط بين معنويات المستهلك والإنفاق أصبح ضعيفاً منذ 2020. وفي مارس/آذار، انخفض مؤشر جامعة ميشيغان إلى مستويات قريبة من أدنى مستوياته التاريخية، بينما ارتفع الإنفاق الاستهلاكي ومبيعات التجزئة إلى مستويات قياسية بحسب بيانات رسمية.

الأكثر أهمية أن باحثي الاحتياطي الفيدرالي تتبعوا إنفاق 10 آلاف أسرة وقارنوه بإجاباتها في الاستبيانات، فوجدوا أن الأشخاص الذين قالوا إن الاقتصاد سيئ أو إن الأسعار مرتفعة زادوا إنفاقهم حتى بعد احتساب التضخم. وخلص الباحثون إلى أن المستهلكين يقولون إنهم يشعرون بسوء أكبر، لكنهم حتى نهاية 2024 كانوا يشترون أكثر مما كانوا يشترون في 2019، لا ينفقون أكثر اسمياً فحسب.

هذا الاكتشاف مهم لأنه يضعف تفسيراً بسيطاً مفاده أن الإنفاق ارتفع فقط بسبب التضخم. فإذا كانت الأسر تشتري كميات أكبر بالفعل، فإن هناك قوة طلب حقيقية أو سلوكاً تعويضياً أو تغيراً في نمط الحياة بعد الجائحة. لكنه لا يعني بالضرورة أن المستهلك سعيد. فالمقالة نفسها تشير إلى أن بعض الأسر غيّرت وظائفها أو أخذت عملاً إضافياً لمجاراة الأسعار المرتفعة، وأن هذه التعديلات السلوكية ارتبطت بسوء الشعور.

بعبارة أخرى، قد يكون الإنفاق المرتفع ناتجاً عن “اقتصاد الجهد الزائد” لا عن “اقتصاد الراحة”. المستهلك يستطيع الشراء لأنه يعمل أكثر، أو لأنه قبل بضغط أكبر، أو لأنه استخدم الائتمان، أو لأنه أعاد ترتيب أولوياته. لكنه حين يُسأل عن الاقتصاد، لا يقيم فقط قدرته اللحظية على الدفع، بل يقيم العبء النفسي والاجتماعي المطلوب للحفاظ على المستوى نفسه. هنا ينفصل السلوك عن الشعور: اليد تنفق، لكن المزاج يعترض.

التضخم بوصفه تجربة نفسية لا رقماً فقط

التضخم لا يؤثر في الاقتصاد بوصفه رقماً في تقرير رسمي فحسب، بل بوصفه تجربة يومية متكررة. قد لا يعرف المستهلك معدل التضخم السنوي الدقيق، لكنه يعرف سعر البنزين، وكلفة الطعام، والإيجار، وفاتورة الكهرباء، وقسط السيارة، وسعر الدواء. لذلك يمكن لسعر واحد ظاهر ومتكرر، مثل البنزين، أن يترك أثراً نفسياً أكبر من مؤشرات كلية إيجابية مثل ارتفاع سوق الأسهم أو انخفاض البطالة.

ان أسعار البنزين المرتفعة كان لها أثر كبير في تدهور معنويات المستهلك، رغم أن الأسهم كانت قوية، والبطالة منخفضة، وأرباح الشركات مرتفعة. وهبط مؤشر جامعة ميشيغان إلى أدنى مستوى في تاريخه منذ بدء المسح عام 1952، وأن الارتفاع الحاد في أسعار الوقود أثّر في المزاج العام أكثر من مؤشرات الاقتصاد الكلي الإيجابية.

هذا يفسر لماذا قد لا يشعر المستهلك بثمار النمو. فإذا ارتفعت الأسهم، فإن المستفيد الأكبر قد يكون مالكي الأصول. وإذا انخفضت البطالة، فقد يظل العامل يشعر أن راتبه لا يكفي. وإذا زادت أرباح الشركات، فقد لا يرى الفرد ذلك في متجر البقالة. أما البنزين والغذاء والسكن فهي أسعار يومية ديمقراطية القسوة؛ يواجهها الغني والفقير، وإن بدرجات مختلفة. ولذلك تصبح المعنويات أحياناً مؤشراً على “الإحساس بتكاليف الحياة” أكثر من كونها مؤشراً على “قوة الاقتصاد الكلي”.

ومن منظور الطلب، تؤثر الأسعار المرتفعة في القدرة الشرائية. فالارتفاع العام للأسعار يقلل الدخل الحقيقي المتاح بعد الضروريات، ويدفع المستهلكين إلى تقليص الإنفاق الاختياري أو تأجيل المشتريات الكبرى. فالتضخم المرتفع يضعف القوة الشرائية، وأن ارتفاع أسعار السلع وأسعار الفائدة يثني المستهلكين عن الإنفاق، خاصة في المشتريات التي تعتمد على الائتمان مثل السيارات والسلع الفاخرة.

لكن المفارقة أن هذا الأثر قد لا يظهر فوراً في الإنفاق الكلي. قد يستمر الإنفاق لفترة بفضل مدخرات سابقة، أو ردود ضرائب، أو نمو الأجور، أو الاقتراض، أو الطقس الموسمي، أو الحاجة إلى شراء سلع لا يمكن تأجيلها. لذلك لا ينبغي تفسير استمرار الإنفاق بأنه دليل حاسم على انتفاء الضغط. قد يكون ببساطة مرحلة انتقالية قبل أن يظهر أثر الأسعار على السلع المعمرة والمشتريات الاختيارية.

العمل والدخل والإنفاق: القدرة لا تعني الرضا

التوظيف والدخل هما المحددان الأهم للإنفاق الاستهلاكي. فكلما زاد عدد العاملين الذين يحصلون على دخل مستقر ويتوقعون استمراره، زادت قدرتهم على الإنفاق، وخاصة على السلع الاختيارية. كما أن مستوى التوظيف والأجور من العوامل الرئيسية المؤثرة في الطلب على السلع الاستهلاكية، وأن ارتفاع الأجور يزيد الدخل المتاح للإنفاق، بينما يؤدي ركود الأجور أو انخفاضها إلى ضعف الطلب على السلع الاختيارية.

غير أن الدخل الاسمي لا يكفي وحده. فإذا ارتفع الراتب 5% وارتفعت تكاليف المعيشة 8%، فإن المستهلك قد يشعر بأنه أفقر رغم زيادة راتبه. وإذا حصل الفرد على وظيفة إضافية لتعويض الغلاء، فإن إجمالي دخله يرتفع، وربما يرتفع إنفاقه، لكنه يشعر بأن حياته أسوأ لأنه يعمل ساعات أطول. وهنا تكمن إحدى مفاتيح الفجوة بين المعنويات والإنفاق: المؤشرات المالية قد تتحسن ظاهرياً، لكن التجربة المعيشية تتدهور.

هذا ما لمحته دراسة الاحتياطي الفيدرالي فالأسر ربما حافظت على الإنفاق عبر تغيير الوظائف أو إضافة عمل، إلا أن هذه التعديلات ارتبطت بتراجع المعنويات. فإذا كان المستهلك يدفع ثمن الإنفاق من وقته وراحته واستقراره، فإنه سيقول إن الاقتصاد سيئ، حتى لو كانت بطاقة الائتمان أو الحساب البنكي يسمحان له بالشراء.

من هنا يجب التمييز بين ثلاثة مفاهيم: القدرة على الإنفاق، والرغبة في الإنفاق، والرضا عن الإنفاق. قد يملك المستهلك القدرة لأنه يعمل، وقد يملك الرغبة لأنه يريد الحفاظ على نمط حياته، لكنه لا يملك الرضا لأنه يشعر أنه يدفع ثمناً أعلى مادياً ونفسياً. وهذه الثلاثية تساعد على تفسير لماذا لا تكفي مؤشرات المعنويات وحدها، ولماذا لا تكفي بيانات الإنفاق وحدها.

أسعار الفائدة والائتمان والسلع المعمرة

تلعب أسعار الفائدة دوراً مركزياً في تحديد الطلب على السلع المعمرة والمشتريات الكبرى. فالسيارات، والمنازل، والأثاث الكبير، وبعض الإلكترونيات، غالباً ما تُشترى عبر التمويل أو الائتمان. وحين ترتفع الفائدة، لا يرتفع السعر الاسمي للسلعة فقط، بل ترتفع كلفة امتلاكها عبر الزمن. لذلك يصبح المستهلك أكثر حذراً، وتتشدد شروط الاقتراض، وتُؤجل المشتريات حتى تتحسن شروط الائتمان.

فأسعار الفائدة المرتفعة تجعل شراء السلع الأعلى سعراً، مثل السيارات والمجوهرات، أكثر كلفة عندما تُشترى بالائتمان، وأن تشدد الائتمان يجعل تمويل المشتريات الكبرى أصعب، ما يدفع المستهلكين إلى تأجيل السلع الفاخرة أو الكبيرة حتى تتحسن الشروط. وهذا يفسر لماذا قد يكون الإنفاق الكلي قوياً بينما تظهر علامات ضعف في بعض القطاعات. فقد يواصل الناس شراء الغذاء والوقود والخدمات الأساسية، بينما يؤجلون سيارة جديدة أو أثاثاً أو أجهزة منزلية.

لذلك ينبغي عدم النظر إلى الإنفاق الاستهلاكي كرقم واحد. فالاقتصاد قد يبدو قوياً من زاوية مبيعات التجزئة الإجمالية، لكنه يخفي تحولاً من السلع الاختيارية إلى الضروريات، أو من الشراء النقدي إلى الشراء بالدين، أو من الكمية إلى السعر. كما قد يخفي تبايناً طبقياً: الأسر ذات الدخل المرتفع قد تستمر في الإنفاق بقوة، بينما الأسر ذات الدخل المتوسط والمنخفض تشعر بضيق أكبر، فيظهر المتوسط العام أقوى من التجربة اليومية لكثيرين.

الإعلام والسياسة والذاكرة التضخمية

لا تتشكل المعنويات الاقتصادية من البيانات وحدها. فالإعلام، وشبكات التواصل الاجتماعي، والانقسام السياسي، والتجارب الشخصية، كلها تؤثر في تفسير الناس للاقتصاد. فتحليل Big Chalk لم يحدد سبباً قاطعاً لانفصال المعنويات عن الإنفاق، لكن أحد التفسيرات المحتملة أن تصورات الناس باتت تتشكل أكثر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يكون الخطاب الاقتصادي أكثر استقطاباً وإثارة.

هذا العامل مهم لأن المستهلك لا يعيش داخل لوحة بيانات. هو يعيش داخل سردية. فإذا كانت الأخبار اليومية تركز على الغلاء، والحروب، وأسعار الوقود، والديون، وتسريح العمال، فإن الشعور العام قد يصبح قاتماً حتى عندما تشير بعض المؤشرات إلى قوة الاقتصاد. والعكس صحيح: قد تؤدي موجة تفاؤل إعلامية إلى رفع المزاج مؤقتاً رغم وجود مشكلات بنيوية.

هناك أيضاً ما يمكن تسميته “الذاكرة التضخمية”. فبعد سنوات من ارتفاع الأسعار، لا يكفي أن ينخفض معدل التضخم حتى يشعر الناس بتحسن. انخفاض التضخم يعني أن الأسعار ترتفع بوتيرة أبطأ، لا أنها عادت إلى مستوياتها السابقة. ولذلك قد يقول الاقتصادي إن التضخم تباطأ، بينما يقول المستهلك إن الحياة لا تزال مكلفة. كلاهما قد يكون صحيحاً، لكنهما يتحدثان عن شيئين مختلفين: معدل التغير من جهة، ومستوى الأسعار من جهة أخرى.

هذا التباين في اللغة يخلق فجوة ثقة بين الخطاب الاقتصادي الرسمي والتجربة الشعبية. عندما يسمع الناس أن الاقتصاد قوي بينما يرون فواتيرهم أعلى، يشعرون أن التحليل الرسمي يتجاهل واقعهم. وعندما يرى الاقتصاديون أن الإنفاق قوي بينما الاستبيانات متشائمة، يظنون أن المستهلكين غير منطقيين. الحقيقة أن كلا الطرفين يرى جزءاً من الصورة: الإنفاق يقيس الفعل، والمعنويات تقيس المعنى النفسي للفعل.

هل فقدت مؤشرات المعنويات قيمتها؟

القول إن مؤشرات المعنويات فقدت قيمتها تماماً سيكون مبالغة. لكنها فقدت، على الأقل مؤقتاً، جزءاً من قدرتها التنبؤية المباشرة بالإنفاق. فقد أظهرت دراسات حديثة أن مؤشرات الثقة والمعنويات لم تعد مؤشرات جيدة لما سيفعله الناس فعلاً بأموالهم في الوقت الراهن، وأن فائدتها ربما تكمن أكثر في قياس الشعور العاطفي اللحظي.

ومع ذلك، لا تزال هذه المؤشرات مفيدة في ثلاثة مجالات. أولاً، تكشف الضغط النفسي والاجتماعي الذي لا يظهر في أرقام الناتج المحلي أو مبيعات التجزئة. ثانياً، تساعد على فهم السياسة العامة والانتخابات، لأن الناس يصوتون ويتفاعلون سياسياً بناءً على شعورهم لا على الجداول الإحصائية فقط. ثالثاً، يمكن أن تكون مؤشراً مبكراً لضعف فئات معينة من الإنفاق، خاصة المشتريات الكبرى والسلع المعمرة، حتى لو لم يظهر الأثر في الإنفاق الكلي بعد.

كما أن المؤشرات قد تستعيد قدرتها التنبؤية إذا عادت البيئة الاقتصادية إلى نمط أكثر استقراراً. فالفترة التي أعقبت الجائحة كانت استثنائية: صدمات عرض، دعم مالي، مدخرات متراكمة، تضخم مرتفع، تحولات في سوق العمل، ارتفاع أسعار الأصول، تغيرات في أنماط الاستهلاك، وتوترات جيوسياسية. في بيئة كهذه، من الطبيعي أن تتغير العلاقات التاريخية بين المؤشرات.

لذلك ينبغي استخدام مؤشرات المعنويات لا كآلة تنبؤ منفردة، بل كطبقة ضمن نموذج أوسع. يجب أن تُقرأ إلى جانب بيانات الإنفاق الفعلي، والدخل الحقيقي، والمدخرات، والديون، والتأخر في سداد القروض، وسوق العمل، وأسعار الفائدة، وتوقعات التضخم، وبيانات القطاعات. وكلما زادت الفجوة بين القول والفعل، زادت الحاجة إلى تحليل نوعي: لماذا يقول الناس شيئاً ويفعلون شيئاً آخر؟

دلالات الظاهرة للشركات والمستثمرين وصناع السياسات

بالنسبة للشركات، تعني هذه الظاهرة أن الاعتماد على المزاج العام وحده قد يؤدي إلى قرارات خاطئة. فإذا رأت شركة أن المعنويات هابطة فقد تفترض أن الطلب سينخفض، لكنها قد تفاجأ باستمرار المبيعات. وفي المقابل، إذا رأت الإنفاق قوياً فقد تتوسع بإفراط، متجاهلة أن الإنفاق مدفوع بالضروريات أو الائتمان أو الأسعار لا بالرضا الحقيقي. المطلوب هو تقسيم المستهلكين حسب الدخل، والقطاع، ونوع السلعة، وحساسية السعر، والاعتماد على التمويل.

بالنسبة للمستثمرين، لم يعد رقم المعنويات الشهري كافياً لبناء توقعات حول التجزئة أو السلع الاستهلاكية. ينبغي النظر إلى اتجاهات متعددة: هل ترتفع مبيعات الضروريات أم الكماليات؟ هل تتحسن مبيعات السيارات أم تتراجع؟ هل يزيد الإنفاق على الخدمات أم السلع؟ هل ترتفع أرباح الشركات بسبب زيادة الكميات أم بسبب الأسعار؟ هل تزيد الديون الاستهلاكية؟ وهل هناك علامات ضغط في التأخر عن السداد؟

أما لصناع السياسات، فالدرس أكثر حساسية. إذا اعتمدوا فقط على قوة الإنفاق فقد يستخفون بمعاناة الأسر، وإذا اعتمدوا فقط على تدهور المعنويات فقد يبالغون في تقدير قرب الركود. السياسة الرشيدة تحتاج إلى الجمع بين الصلابة الظاهرة في الطلب والضغط الكامن في ميزانيات الأسر. فإذا كان الناس يواصلون الإنفاق عبر العمل الإضافي أو الدين أو تقليص الادخار، فقد لا يكون الاقتصاد ضعيفاً فوراً، لكنه قد يكون هشاً اجتماعياً ومالياً.

ان انخفاض المعنويات لا يجعل تراجع الإنفاق حتمياً، لكنه قد يؤثر في الاقتصاد بطرق أخرى، وقد تكون له آثار سياسية أيضاً. كما أن بعض مكونات الاستبيانات، مثل نية القيام بمشتريات كبيرة، قد تحمل إشارات أكثر مباشرة من المؤشر العام. وهذا يعني أن التحليل التفصيلي للمؤشر أهم من قراءة عنوانه.

خاتمة

تكشف الفجوة بين تشاؤم المستهلكين واستمرار إنفاقهم عن تحول عميق في قراءة الاقتصاد المعاصر. لم يعد السؤال: “هل يشعر المستهلكون بالثقة؟” كافياً. يجب أن نسأل: ما نوع الإنفاق الذي يقومون به؟ هل يشترون لأنهم متفائلون أم لأنهم مضطرون؟ هل يمولون إنفاقهم من دخل مستدام أم من ائتمان ومدخرات؟ هل ترتفع الكميات أم الأسعار؟ هل الإنفاق موزع على جميع الفئات أم مركز لدى ذوي الدخل الأعلى؟ وهل يعبر التشاؤم عن توقع ركود، أم عن غضب من كلفة الحياة؟

إن مؤشرات معنويات المستهلك وثقته لا تزال مهمة، لكنها لم تعد تملك وحدها سلطة تفسير السلوك الاستهلاكي. فقد أظهرت مرحلة ما بعد الجائحة أن المستهلك قد يكون قادراً على الشراء وغير راضٍ في الوقت نفسه؛ وقد يكون الاقتصاد قوياً في بياناته الكلية ومؤلماً في تجربته اليومية؛ وقد ترتفع المبيعات بينما تتآكل الثقة. هذه ليست تناقضات سطحية، بل علامات على اقتصاد تتباعد فيه المؤشرات الكمية عن الشعور الاجتماعي.

لذلك فإن القراءة الرصينة للاقتصاد تحتاج إلى منهج مزدوج: بيانات صلبة عن الإنفاق والدخل والتوظيف والأسعار، وبيانات نفسية عن الثقة والمعنويات والتوقعات. الأولى تكشف ما يحدث في السوق، والثانية تكشف كيف يعيشه الناس. وحين يتعارض الاثنان، لا ينبغي إلغاء أحدهما، بل ينبغي البحث في سبب التعارض. ففي تلك الفجوة تحديداً تظهر التحولات الكبرى: تضخم يترك ندوباً نفسية، عمل إضافي يخفي هشاشة، إنفاق قوي لا يعني رفاهية، وتشاؤم واسع لا يعني بالضرورة ركوداً فورياً.

بناءً على ذلك، يمكن القول إن أزمة المؤشرات ليست في أنها أصبحت بلا معنى، بل في أننا كنا نطلب منها أكثر مما تستطيع تقديمه. فهي لا تقول لنا بالضرورة كم سينفق الناس الشهر المقبل، لكنها تقول لنا كيف يشعرون وهم ينفقون. وفي زمن ترتفع فيه الأسعار وتتبدل فيه أنماط العمل وتشتد فيه ضغوط الحياة، قد يكون هذا الشعور نفسه مؤشراً اقتصادياً واجتماعياً لا يقل أهمية عن رقم المبيعات.

زر الذهاب إلى الأعلى